إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل يجد الميت ألم الموت مالم يبعث في قبره؟
المجيب
محمود شعبان عبد المقصود
باحث شرعي بموقع الإسلام اليوم
التاريخ الثلاثاء 17 رجب 1431 الموافق 29 يونيو 2010
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الأوزاعي رحمه الله: بلغنا أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من قبره.. ما معنى هذا الكلام؟ وهل تثبت صحته؟ وهل ورد حديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فمثل هذا الخبر لا يقبل إلا إذا ورد عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو إخبار عن غيب، لا يعلمه إلا الله تعالى.

والوارد أن الميت يجد ألم الموت وسكراته وغمراته ساعة خروج الروح، كما في البخاري (4449)، ومسلم (2192) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت وهي تحكي ما أَلَمَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم: .. وبين يديه رَكْوَةٌ (أو عُلبة) فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». ثم نصب يده، فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى». حتى قبض ومالت يده.

وأخرج الترمذي (978)، وابن ماجه (1623) عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: «اللهم أعني على غمرات الموت، أو: سكرات الموت».

أما ما بعده فينتقل إلى حالة أخرى، وهي إما نعيم في قبره أو عذاب، إلى أن تقوم الساعة، كما تواترت بذلك الأحاديث.

ولم يرد أن الميت يجد ألم الموت ما دام في قبره مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أعلم، وقد تعرض لهذه القضية الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه «أهوال القبور»، والحافظ السيوطي رحمه الله في كتاب «شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور» فلم يوردا إلا بعض الآثار، ولو كان في الباب ما هو أرفع منها لأورداه.

والوارد في هذا المعنى:

1- أثر الأوزاعي قال: «بلغني أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من قبره. أو قال: إلى أن يبعث من قبره».

أخرجه ابن أبي الدنيا، كما في «أهوال القبور» للحافظ ابن رجب (ص119)، و«شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور» للحافظ السيوطي (ص38).

2- أثر كعب الأحبار قال: «لا يذهب عن الميت ألم الموت ما دام في قبره، وإنه لأشد ما يمر على المؤمن، وأهون ما يصيب الكافر».

أخرجه ابن أبي الدنيا، كما في «أهوال القبور» للحافظ ابن رجب (ص119)، وقال:  بإسناد فيه نظر.

وأخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (6/44) من طريق زكريا بن عدي، عن الزبير أبي عبد الله القِنسري، عن كعب.

3- أثر عبد الرحمن بن سابط:

أخرج وكيع في «الزهد» (56)، وأحمد في «الزهد» (ص16)، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن منيع في «مسانيدهم»، كما في «المطالب العالية» (774)، وابن أبي الدنيا في «من عاش بعد الموت» (58)، وأبو يعلى، كما في «أهوال القبور» للحافظ ابن رجب (ص119)، وتمَّام في «الفوائد» (217)، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (1361) من طريق الرَّبيع بن سعد الجعفي، عن عبد الرحمن عبد الله بن سابط، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تحدَّثُوا عن بني إسرائيل؛ فإنه كانت فيهم أعاجيبُ». ثم أنشأَ يحدِّثُ قال: «خرجَتْ طائفةٌ منهم فأتوا مقبرةً من مقابرهم، فقالوا: لو صلَّينا ركعتين، ودعونا اللهَ تعالى يُخرجُ إلينا بعضَ الأموات؛ يخبرنا عن الموت. قال: ففعلوا، فبينما هم كذلك إذ أَطلعَ رجلٌ رأسَهُ من قبر حبشي، بين عينيه أثرُ السجود، فقال: يا هؤلاء، ما أردتم إِلَيَّ، فوالله لقد مُتُّ منذ مائة سنة، فما سكَنَتْ عني حرارةُ الموت حتى كان الآن، فادعوا الله تعالى أن يعيدَني كما كنتُ».

قال ابن رجب: وهذا إسناد جيد، والربيع هذا كوفي ثقة، قاله ابن معين، لكن قوله: «ثم أنشأ يحدث...» إلى آخر القصة إنما هي حكاية عبد الرحمن بن سابط، كذا روى ابن عيينة عن الربيع عن عبد الرحمن بن سابط من قوله.

4- أثر عمير بن حبيب، أن رجلين من بني إسرائيل عبدا حتى سئما العبادة، فقالوا: لو خرجنا إلى القبور فجاورناها؛ لعلنا أن نراجع. فجاورا القبور، فعبدا الله، فنُشر لهما ميت، فقال لهما: لقد مت منذ ثمانين سنة، وإني لأجد ألم الموت بعد.

أخرجه أحمد في «الزهد»، كما في «شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور» للسيوطي (ص38).

فليس فيها شيء مرفوع يستند إليه، فليس فيها حجة؛ لأن مثل هذا لا يقبل إلا بنص من الله عز وجل، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن رجب: «وقد ورد أن الميت يجد ألم الموت ما دام في قبره، ولعل ذلك خاص ليس بعام». والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ