إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان مدافعة خواطر الرياء
المجيب
فضل محمد البرح
باحث شرعي في موقع الإسلام اليوم
التاريخ الاربعاء 22 ربيع الثاني 1431 الموافق 07 إبريل 2010
السؤال

أحيانا عند قراءتي في الصلاة أجهر بالصوت، فتأتيني أفكار كأنني بين قوم يسمعون لي وأنا أصلي بهم إماما. هذه الصلوات التي حصلت فيها هذه الأشياء قديمة، وعلمت أنه من فكر بالرياء بصلاته ثم أعرض عنه وأبعده عنه فإن صلاته لا تبطل، بخلاف من استمر على هذه الأفكار وقضى فيها كل صلاته فصلاته تبطل.. الآن لا أتذكر كم من الصلوات راودني فيها الرياء.. وهل استمررت به في كل الصلاة أم لا؟ ولا أتذكر إذا كنت أفكر في بعض الأحيان أن الناس يعجبون بتلاوتي أم لا؟ أفتوني مأجورين..

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين، وعلى آله الأبرار الطيبين أجمعين، وسلم وعظم إلى يوم الدين، وبعد:

إن مما علم أن العبادة  ثمرة العلم وفائدة العمر وحاصل العبد وبضاعة الأولياء وطريق الأقوياء، وهي سبيل السعادة  ومنهاج الجنة قال الله تبارك وتعالى "وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" ثم إذا نظرنا وتأملنا طريقها فهي طريق وعر ومنال صعب، عظيمة الآفات، كثيرة العوائق والموانع وهكذا أراد لها أن تكون لأنها طريق الجنة لذلك يقول عليه الصلاة والسلام (إن الجنة حفت بالمكاره والنار بالشهوات) ثم إن العبد يواجه من مثل هذه العوائق والعقبات التي تعرقل سيره إلى الله  تبارك وتعالى، فإن السير ليس سير المراكب والأقدام، إنما هو سير القلوب إلى الله جل وعلا، وثمة أمراض معضلة  تصيب القلب ، إذ المرض  الحقيقي هو مرض القلوب الذي كان لزاما على العبد أن يسعى لإزاحة تلك الشوائب والتخلص من تلك  الأمراض  وكل ما من شأنه أن يعترض سيره إلى الله تبارك وتعالى.

ومن أعظم تلك الآفات والأمراض خطرا وأعمها وقوعا وانتشارا وأخوف عقبة ينبغي قطعها هو الداء العضال الذي يعسر الاحتراز منه في ثنايا السير إلى الله تبارك وتعالى: الرياء.

فمن علم حاجته إلى صافي الحسنات غدا في القيامة، غلب على قلبه حذر الرياء، ويصحح نيته بالعلم حتى يوافي يوم القيامة لا بالخالص المقبول، الذي لا يقبل الله يوم القيامة من الأعمال إلا ما كان صافيا لوجهه، لا تشوبه إرادة شيء سوى الله .

قال الحسن البصري: "لا يزال العبد بخير ما علم ما الذي يفسد عليه علمه، فلا غنى للعبد عن معرفة ما أمرنا باتقائه من الرياء، إذ وصُف بالخفاء في الحديث أنه أخفى من دبيب النمل. فما خفي لم يعرف إلا بشدة التفقد ونفاذ البصيرة، بمعرفته له حين يعرض، وإلا لم ينفع التفقد لما لا يعرف، فبالخوف والحذر يتفقد العبد الرياء، وبمعرفته يبصره حين يعرض، فلا غنى بك عن معرفة الرياء".

ولذلك جاءت نصوص الكتاب والسنة بالترهيب منه وعدته من عظائم الذنوب بل من الشرك بالله، لأنه ينافي الإخلاص الذي يقتضي أن يقصد المسلم بعمله الله وحده لا شريك له، قال سبحانه: "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ" [البينة:5]. والمرائي في الحقيقة جعل العبادات مطية لتحصيل أغراض نفسه الدنيئة، واستعمل العبادة فيما لم تشرع لأجله، وهو تلاعب بالشريعة واستهانة بمقام الإلوهية، ووضع للأمور في غير موضعها، وقد توعد الله صنفاً من الناس يراؤون في صلاتهم بالويل والهلاك فقال: "فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ) * وَيَمْنَعُونَ" [الْمَاعُونَ:4-7] وبين سبحانه أن الذي يريد بعمله عاجل الحياة الدنيا فإنه يعجل له فيها ثوابه إذا شاء الله، ومصيره في الآخرة العذاب الشديد والعياذ بالله، لأنه لم يخلص العمل لله فقال سبحانه: "فمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً" [الإسراء] وجعل مراءاة الناس بالأعمال من أخص صفات أهل النفاق فقال سبحانه: "وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاس" الماعون وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة خطورة الرياء على دين العبد وعاقبة المرائين، منها ما جاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ألا أخبركم بما هو أَخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل".

ولعلنا نلقي نظرة على تعريف الرياء ليكون الحكم على الشيء فرع عن تصوره من خلال الانتقاء لبعض أقوال أهل العلم فيه.

قال ابن حجر: الرياء إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها.

وقال الغزالي الرياء: "طلب المنزلة في قلوب الناس بإيراءهم خصال الخير، فهو إرادة العباد بطاعة الله".

ويقول  الحسن البصري: "أصل الرياء حب المحمدة".

وروي أنَّ لقمان قال لابنه: "الرياء أنْ تطلب ثواب عملك في دار الدنيا، وإنَّما عمل القوم للآخرة".

وبالجملة فهو: ابتغاء العاجل الفاني الدنيوي مما عند الناس بإظهار خصال الخير وإيثاره على الآخر الدائم الأخروي مما عند الله تبارك وتعالى.

وهنا نبين حكم العمل إذا خالطه الرياء وبيان أقسامه .

مما قرره العلماء أن العمل إذا شابه الرياء واختلط به لا يخلو من الأقسام التالية:

أولا: أن يكون رياءًا محضا لا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي، وهذا لا يكاد يصدر من مؤمن في العبادات القاصرة كالصلاة والصيام ونحوها وإنما قد يصدر غالبا في العبادات المتعدية كالصدقة وغيرها من الأعمال الظاهرة. فيكون وهذه الحالة هي حالة المنافقين الذين قال الله فيهم "وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً" النساء.

فهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت والعقوبة من الله.

ثانيا: أن يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن كان في أصله فهو باطل وحابط، كما جاء عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يقول الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء  عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته".

وعلى هذا طائفة من السلف منهم،  عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وإن كان فيه خلاف عند المتأخرين، وقد ذكر العلماء لذلك  مسألة ما إذا خالط نية  الجهاد أو غير ذالك نية غير الرياء كأخذ شيء من الغنيمة أو الأجرة على الخدمة أو التجارة، هل يبطل عمله أم لا؟ الصحيح من أقوال أهل العلم والذي عليه النصوص أنه لايبطل بل ينقص أجره كما جاء  عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة، تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا، تم لهم أجرهم".

وقال الإمام أحمد: "التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزاتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره".

وقال أيضا فيمن يأخذ جعلا على الجهاد: "إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئا أخذه".

وكذا روي عن عبد الله بن عمرو، قال: "إذا أجمع أحدكم على الغزو، فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك، وأما إن أحدكم إن أعطي درهما غزا، وإن منع درهما مكث، فلا خير في ذلك".

وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا أرى بأسا.

ثالثا: أن يكون أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ودفعه، فلا يضره بغير خلاف،  وإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره.

ثم ذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نيته.

وأما إذا عمل العمل لله خالصا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بعد ذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضره شيء.

وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن"

وأخيرا نصيحتي لك هو أن تجاهدي نفسك وتطوي الصفحات الماضية، فأنت مقبلة على كريم عفو يحب العفو والصفح، وابتدئي صفحة جديدة في حياتك، وبذلك تتخلصين مما يخالجك ويكبح جماحك من الإقبال على الله تعالى وعبادته. وما ذكرناه عن الرياء عموما هو للفائدة وللتسلح بسلاح العلم ضد ما يراودك من شكوك وشبهات.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ