إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان بين البخاري وأبي حنيفة
المجيب
د. عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 02 جمادى الآخرة 1431 الموافق 16 مايو 2010
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

حاولت أن أشرح لشخص أهمية صحيح البخاري، ولكنه قد سألني هذا السؤال: "لماذا لم يأخذ البخاري جمع الأحاديث من فقيه الإسلام أبي حنيفة؟ أنا أعلم عن الخلاف بين شيخ البخاري وأبي حنيفة، فهل الاختلاف ولَّد التعصب لدى البخاري؟ 

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الجواب عن هذا السؤال في ثلاثة مقامات:

المقام الأول: يجب علينا ونحن نقرأ في سير هؤلاء الأئمة، أن لا نخرجهم عن بشريتهم التي لا تنفك عنهم، ثم يجب علينا أن لا نخرجها عن سياقاتها التاريخية، وبهذا تكون النظرة أبعد عن افتعال خصومات بين أئمة كبار جازوا القنطرة، وأفضوا إلى ربهم، ولهم قدم الصدق في خدمة الدين، وهم -كما قال ربنا- "هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ" وكلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم.

المقام الثاني: أن من حكمة الله تعالى وكمال حفظه لهذا الدين، أن جعل همم العلماء تتفاوت في اهتماماتهم العلمية، فهذا إمام يعتني بالقراءة، وإمام وظّف طاقته في حفظ الحديث، وآخر في التفقه، واعتبر هذا بأحوال الصحابة رضي الله عنهم، وهكذا من جاء بعدهم لم يخرجوا عن هذه السنة الإلهية في تفاوت الهمم، والاهتمامات.

وبناء على هذا، فإن الإمام فقيه الدنيا في زمانه أبا حنيفة النعمان -رحمه الله- عاش في عصر لم تدون فيه السنة تدوينها الذي جاء بعد ذلك بعشرات السنين - كما ألمح إلى ذلك الذهبي في نوع من الاعتذار عنه في "السير" (6/396)- بالإضافة إلى أنه عاش في الكوفة التي كانت تعتني بفقه ابن مسعود رضي الله عنه، وغلب عليهم -لقلة المدون من السنة وكثرة تجدد الحوادث- استعمال الرأي والقياس، وهذا الذي كان يسعهم، فأصابوا وأخطأوا، كما يقع لغيره، والمقطوع به أن ما وقع منهم مخالفة للسنة لم يكن عن عمدٍ كما بين ذلك ابن تيمية في رسالته المشهورة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام".

وهذه البيئة والنشأة التي عاشها أبو حنيفة -رحمه الله- جعلت عنايته بالآثار أقل من عنايته بالفقه، فلم يكن فيه إماماً كما كان في الفقه، وهذا ليس مما يعاب عليه، فالإنسان بشر، ولا يمكن أن يحيط بالفنون كلها، ومن طبيعة ابن آدم أنه إذا اهتم بشيء وأولع به أتقنه، والعكس صحيح، وفي التراجم من ذلك شيء كثير، فهذا الإمام عاصم بن أبي النجود يقول عنه ابن حجر في "التقريب": "صدوق له أوهام حجة في القراءة" فانظر كيف نزل من رتبة الاحتجاج في علم القراءات إلى كونه صدوقاً له أوهام في علم الحديث؛ وأبلغ من هذا أن حفص بن سليمان الأسدي -الراوي عن عاصم- يقول عنه ابن حجر في "التقريب": "متروك الحديث مع إمامته في القراءة".

المقام الثالث: أن أبا حنيفة ليس هو الإمام الوحيد الذي لم يخرج له البخاري، ذلك أن البخاري لم يرو في صحيحه عن الشافعي إلا في موضعين وكلاهما تعليقٌ عنه، ولم يخرج له في المسندات شيء، ويقال –أيضاً-: إنه لم يرو عن الإمام أحمد مباشرةً، مع أنه شيخه، فهل هذا يعني أنه متعصب عليهم؟

الجواب: لا، وللإمام البخاري مقاصد وأعذار، ومن ذلك أن الحافظ ابن كثير بيّن في كتابه "مناقب الشافعي" ص: (103-104 ط.خاطر) بيّن عذر البخاري في عدم الإخراج عنه فقال: (وإنما لم يخرج له صاحبا الصحيح ؛ لنزول إسناده عندهما، وإلا فجلالته وإمامته مجمع عليها) اهـ.

وفيما يخص أبا حنيفة -رحمه الله-فإن البخاري لم يخرج له في الصحيح لا هو ولا مسلم؛ لأنه ليس على شرطهما، إذ منزلته في الحفظ والضبط ليست على شرط الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، وممن نص على ضعفه في الحديث: الإمام النسائي، وغيره، وخالفه آخرون فوثّقوه كابن معين في رواية عنه، وقوّاه غيره.

وليس المقام مقام تفصيل في ترجمة الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- بل المقصود الإشارة إلى سبب ترك البخاري وغيره من الحفاظ الرواية عنه، وما أجمل ما قاله الحافظ ابن حجر -رحمه الله- لما سئل عن تضعيف النسائي لأبي حنيفة (كما في الجواهر والدرر للسخاوي 2/946): "النسائي من أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو بحسب ما ظهر له وأداه إليه اجتهاده، وليس كل أحد يؤخذ بجميع قوله، وقد وافق النسائي على مطلق القول في الإمام جماعة من المحدثين، واستوعب الخطيب في ترجمته من تاريخه أقاويلهم، وفيها ما يقبل وما يرد، وقد اعتذر عن الإمام بأنه كان يرى أنه لا يحدث إلا بما حفظه منذ سمعه إلى أن أداه؛ فلهذا قلت الرواية عنه، وصارت رواياته قليلة بالنسبة لذلك، وإلا فهو في نفس الأمر كثير الرواية، وفي الجملة، ترك الخوض في مثل هذا أولى، فإن الإمام –وأمثاله- ممن قفزوا القنطرة، فما صار يؤثر في أحد منهم قول أحد، بل هم في الدرجة التي رفعهم الله إليه من كونهم متبوعين مقتدى بهم، فليعتمد هذا" اهـ كلام الحافظ، وبه ينتهي هذا الجواب المختصر عن سؤالك، نسأل الله تعالى أن يغفر لأئمة الإسلام، وأن يجزيهم عما قدّموا خير الجزاء، وأن يجمعنا بهم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، والحمد لله رب العالمين.ً


إرسال إلى صديق طباعة حفظ