إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان دية المرأة على النصف من دية الرجل
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 26 ربيع الثاني 1431 الموافق 11 إبريل 2010
السؤال

دية المرأة على النصف من دية الرجل. هل هذا يدل على هبوط مكانة المرأة الإنسانية عن مكانة الرجل؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

 فجوابا على السؤال أقول (وبالله التوفيق): الذي يدل في الإسلام على تساوي الرجل والمرأة في الإنسانية ليس هو الدية؛ إلا إن كانت النفس البشرية لا تعرف قيمتها إلا بالمال! وإذا ما نظرنا للدية على أنها قيمة للنفس البشرية. فأقبح بهذه النظرة إلى الدية ! سواء كانت دية المرأة على النصف من دية الرجل أو ضعفها!! فالدية ليست هي ميزان القيمة الإنسانية في الإسلام. وإنما الذي يبين قيمة النفس البشرية للمرأة والرجل في حالة الاعتداء عليهما: الإثم والعقوبة الأخروية المترتبة على ذلك الاعتداء؛ لأن ذلك هو الميزان الحقيقي في الإسلام (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى). وبالإجماع وبدلالة النصوص القاطعة أن الاعتداء على الرجل والمرأة في الإثم سواء: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). بل لقد خصَّ الله تعالى قتل البنات بمزيد من التوبيخ المتضمن مزيدًا من العقوبة. وذلك في قوله تعالى (وإذا الموءودة سئلت _ بأي ذنب قتلت)؛ ولم يدع أحد مع ذلك: أن في هذا تمييزًا للمرأة وتفضيلا لها على الرجل؛ لأن أهل الجاهلية كان اعتداؤهم على بناتهم بالقتل أكثر من اعتدائهم على أبنائهم الذكور.

وكما تساوى الاعتداء على الجنسين في العقوبة الأخروية فقد تساويا في العقوبة الدنيوية: ذلك أن الرجل يقتل بالمرأة قصاصا. ولو كانت قيمتهما الإنسانية مختلفة ما قتل الرجل بالمرأة.

وباتفاق وتساوي إثم وعقوبة قتل المرأة بعقوبة قتل الرجل في الدنيا وفي الآخرة يتضح أنه لا فرق بين إنسانية المرأة والرجل. وأنهما سواء في التشريع الإسلامي.

إذن فاختلاف دية المرأة عن دية الرجل لا علاقة لها بالقيمة الإنسانية أصلا. وإنما لذلك مغزى آخر وحكمة بعيدة عن ذلك. كما بيناه آنفا. فإن وقفنا على ذلك المغزى ووفقنا إلى معرفة تلك الحكمة فبها ونعمت. وإلا فسوف يكون هذا الحكم حكما تعبديا. المقصود منه ابتلاء الإيمان وتحقيق العبودية بالتسليم للخالق وحكمه.

ومن نظر في أحكام الدية علم أنها لا علاقة لها بالقيمة الإنسانية. بدليل استحقاق الشخص الواحد عددًا من الديات وهو حي بفقده عددًا من الأعضاء والمصالح منها بترًا أو إفسادًا (حتى إن اللحية إذا حلقت فلم تنبت كان فيها دية كاملة عند بعض الفقهاء). وبدليل أن الدية شرعت في القتل الخطأ الذي لا إثم فيه أصلا. إذن ففقه باب الدية كله مبني على معنى آخر غير معنى دفع قيمة للنفس البشرية. فهي إما تعويض عن كاسب وسبب لتحصيل الرزق. وإما لمعنى رمزي معين.

ولذلك فالذي يظهر لي من حكمة جعل دية الرجل ضعف دية المرأة أمران:

١- إما أن يكون ذلك تأكيدًا على الوضع الفطري للحياة البشرية منذ نشأت البشرية. من كون الرجل هو الكاسب المحصل للرزق والمنفق على الأسرة بمن فيهم المرأة (وهو ما أكده الإسلام من كون النفقة واجبًا للرجل، وحقًّا للمرأة عليه). وعلى هذا سيكون فقدان الرجل مما يوجب تعويض الأسرة والمرأة عن كاسبهم والمنفق عليهم.

٢- وإما أن يكون ذلك الاختلاف بين الديتين تأكيدًا على قوامة الرجل (الرجال قوامون على النساء) (وللرجال عليهن درجة). تلك القوامة التي هي حق رمزي للرجل في أسرته. فجاء الاختلاف في الدية معززًا لذلك التقديم الرمزي للرجل على المرأة في حق القوامة. و(القوامة): هي ذلك الحق الذي إنما شرع في الإسلام حفاظًا على الأسرة من التفكك والضياع. بتحديد رأس الأسرة وتعيين قائدها الذي يقودها بالإحسان والتسامح والتشاور وعدم التسلط والظلم والاستبداد. والذي يجب عليه مقابل ذلك حقوق زائدة للمرأة وبقية الأسرة. كالنفقة والحماية والدفاع عنهم بنفسه (من قتل دون عرضه فهو شهيد).


إرسال إلى صديق طباعة حفظ