إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان كيف تجمع بين آيتي سورة المؤمنون؟
المجيب
د.محمد بن سريّع السريّع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاثنين 10 جمادى الآخرة 1431 الموافق 24 مايو 2010
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أجد إشكالاً في الجمع بين آيتين من سورة المؤمنون، وهما قوله تعالى: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون، وقوله: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون. كيف نجمع بين جؤار قريش بالدعاء عند العذاب، وعدم استكانتهم عنده؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

نشكر لك هذا الهم الطيب في العناية بكتاب الله عز وجل، والحرص على قراءته وتعلمه وتدبر آياته، والله أدعو أن يوفقنا وإياك للعلم النافع والعمل الصالح.

وقبل إجابة سؤالك أحب أن ألفت النظر إلى أن الله قد أودع في كتابه آيات متشابهات تحوي أسراراً تحتاج إلى استدعاء الهمم والبحث عن المعاني وإعمال الفكر، تفضيلاً من الله للمتعلم ورفعة له، وتشويقاً له في طلب العلم وتحصيله، كما جعل فيه آيات محكمات لا تحتاج إلى تأويل، وتكون أصلاً للرجوع إليه، ومن منّ الله تعالى عليه بكثرة قراءة القرآن وتدبره والأنس به؛ فلن يجد ما يشغل باله ولا أن تنتابه الهموم والشكوك إذا استغلق عليه فهم شيء، بل المؤمن بالله تعالى يقف أمام كلام الله بالرضا والتسليم، سواء أدرك مراد الله أم لم يدركه، قد أسلم قلبه طواعية إليه، وهو مطمئن البال هادئ النفس؛ لأنه يعلم علم اليقين أن كلام الله عظيم وجليل؛ وأنه منزه عن الخلل والاضطراب (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه... تنزيل من حكيم حميد)..

* وأما ما سألت عنه أيها المبارك فيمكن تلخيص إجابته بالآتي:

1- أن المقصود بالعذاب الأول: عذاب النار في الآخرة حين يجد هؤلاء المشركون ألم العذاب فيصرخون ويتوجعون ولا يجدون من ينصرهم ولا من يغيثهم، ويكون المقصود بالعذاب الثاني: ما حصل لهم من شدائد ومصائب في الدنيا، ومع ذلك لم يستكينوا ولم يخضعوا، وإلى هذا القول ذهب بعض المفسرين.

2- أن يكون المقصود بالعذاب الأول والثاني معنى واحداً: وهو ما حصل لهؤلاء المشركين من جوع أصابهم سبع سنين بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته، ومن قتل وأسر لكبرائهم ورؤسائهم يوم بدر؛ وأنه لم يكن حظّ هؤلاء المشركين حين أخذهم العذاب إلا العويل والجؤار دون التوبة والاستغفار، وقد أشار إلى هذا ابن عاشور رحمه الله في تفسيره (8/101)، وقال العلامة الألوسي رحمه الله كلاماً قريباً منه: "الجؤار مطلق الصراخ وهو غير الاستكانة والتضرع،.. والمراد بالاستكانة له تعالى الانقياد لأمره عز وجل، والتضرع ما كان عن صميم الفؤاد والجؤار ما لم يكن كذلك، وكأن التعبير بالجؤار للإشارة إلى أن استغاثتهم كانت أشبه شيء بأصوات الحيوانات" (18/56).

3- والذي يظهر والله أعلم: أن العذاب في الآية الأولى هو العذاب الذي يوقنون معه بالهلكة أو يرونها سواء كان في الدنيا كما حصل من فرعون حين أغرقه الله في البحر فلم ينفعه رجوعه؛ أو ما كان من عذاب الآخرة حين يستغيثون ويستنصرون ولكن لا مغيث لهم ولا ناصر.

وأما العذاب في الآية الأخرى: فهو ما يأتيهم من المصائب والشدائد أو العذاب الذي لا يرون معه الهلكة؛ فمن شدة طغيانهم وسيطرة الغفلة على قلوبهم لا يستكينون ولا يتضرعون ولا يربطون ما حلّ بهم من العقوبات وبين معاصيهم وكفرهم.

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ