إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ابن تيمية وإثبات صفة الجسم لله
المجيب
د. خالد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الخميس 27 جمادى الآخرة 1431 الموافق 10 يونيو 2010
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

مما أعلمه عن رأي الإمام المجتهد ابن تيمية أنه لا ينفي ولا يثبت وصف الجسم لله تعالى، على اعتبار أنه لفظ حادث، وأن قائله يكفر إن كان يقصد التجزئة، ولا يكفر إن كان قصده أن الله تعالى منفصل عن العالم. وفي الحقيقة لم أحظ بالنص الحرفي لمقالته، لكن هذا هو خلاصته. ألم يكن من الأجدر والأولى أن ينفي ذلك عن الله تعالى على اعتبار: أنه لم يرد في كتاب أو سنة وخاصة أن المتبادر لذهن العامي والعالم هو أن الجسم من قبيل المجسمات، ولو تكرمتم أن تفيدوني إن كانت لغة العرب تحتمل معنى آخر غير هذا. لو كان الوصف قد ذكر في الكتاب والسنة لأثبتناه على الوجه اللائق بالله تعالى، ولضربنا عرض الحائط بأي شيء يتبادر للذهن، وكذلك لابد أن يكون العكس صحيحا، إذ لابد من نفيه طالما أنه لم يرد، ومعناه واضح في اللغة. ثم هل لابن تيمية مثال سابق في هذا؟ ثم هل ضل من لا يقول بمثل قول ابن تيمية ويتابع علماء الأمة الآخرين في تكفير من قال بالجسم كالنووي وغيره. ولو أردنا أن نسأل عن -وأستغفر الله تعالى- هل لله قلب؟ هل لله فم؟ وهكذا من صفات مخترعة ألا يجب نفيها مباشرة، أم يجب التوقف كما فعل الإمام ابن تيمية رحمه الله؟

الجواب

الحمد لله وكفى وصلاة وسلاماً على نبيه المصطفى وعلى آله وصحبه، وبعد:

فمن القواعد المقررة في البحث العلمي أن ننسب القول إلى قائله بيقين من كتبه أو صوته أو ما شاكل ذلك من طرق علمية. وفي سؤال السائل قول نسب إلى شيخ الإسلام وعلامة الأنام ابن تيمية رحمه الله، ولكنه قول مرسل لا يسنده نقل أو دليل علمي، ألا وهو: أن ابن تيمية لا ينفي ولا يثبت وصف الجسم لله تعالى على اعتبار أنه لفظ حادث، وأن قائله يكفر إن كان يقصد التجزئة، ولا يكفر إن كان قصده أن الله تعالى منفصل عن العالم.

وفي هذا كان يعوزنا النقل للتأكد من صحة القول من عدمه، وعلى كل حال فالقارئ لكتب ابن تيمية يعلم أنه من أشد الناس تمسكاً بالنصوص الشرعية الثابتة من الكتاب والسنة، وأنه يثبت ما أثبته الله لنفسه وينفي ما نفاه الله عن نفسه، أما القول بالجسم والعرض والحد وغيرها من الألفاظ المجلمة التي تحتمل حقاً وباطلاً، فرأيه فيه أشهر من أن يذكر، ولنذكر بعض النصوص التي تبين موقفه من ذلك، يقول رحمه الله: "فالسّلف والأئمّة لَم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة، كلفظ الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك؛ بل لأنّ المعاني التي يعبِرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلّة والأحكام ما يجب النّهي عنه، لاشتمال هذه الألفاظ على معاني مجملة في النّفي والْإثبات" (الفتاوى الكبرى 1/137)..

ويقول مبينا موقفه من لفظ الجسم: «فإن ذكر لفظ "الجسم" في أسماء الله وصفاتِه بدعة، لم ينطق بها كتاب ولا سنة، ولا قالَها أحد من سلفِ الأمة وأئمتها، لم يقل أحد منهم: إن الله جسم، ولا إن الله ليس بجسم، ولا إن الله جوهر، ولا إن الله ليس بجوهر.

ولفظ "الجسم" لفظٌ مجمل، فمعناه في اللغة هو البدن، ومن قال: إنّ الله مثل بدن الإنسان فهو مفترٍ على الله، ومن قال: إنّ الله يُماثِله شيء من المخلوقات فهو مفترٍ على الله. ومن قال: إن الله ليس بجسمٍ، وأراد بذلك أنه لا يُماثِله شيء من المخلوقات، فالمعنى صحيح وإن كان اللفظ بدعة. وأما من قال: إنَّ الله ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يُرى في الآخرة، وأنه لم يتكلم بالقرآن العربي، بل القرآن العربي مخلوقٌ أو تصنيفُ جبريل ونحو ذلك، فهذا مفترٍ على الله فيما نفاه عنه.

وهذا أصلُ ضلالِ الجهمية من المعتزلة ومن وافقهم على مذهبهم، فإنهم يُظهرون للناس التنزيهَ، وحقيقةُ كلامهِم التعطيل، فيقولون: نحن لا نُجسِّم، بل نقول: إن الله ليس بجسم، ومرادُهم بذلك نفيُ حقيقة أسمائه وصفاتِه، فيقولون: ليس لله علمٌ ولا حياةٌ ولا قدرةٌ ولا كلام ولا سمعٌ ولا بصرٌ، ولا يُرى في الآخرة، ولا عُرِجَ بالنبي إليه، ولا يَنزِل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتجلى لشيء، ولا يقرب إلى شيء، ولا يقرب منه شيء. ويقولون: إنه لم يتكلم بالقراَن، بل القرآن مخلوق، أو هو كلام جبريل، وأمثال ذلك من مقالات المعطّلة الفرعونية الجهمية.» (جامع المسائل 3/206)

ويقول أيضا: «وأمّا لفْظ " التّجْسيم " فهذا لفظ مجْمل لا أصْل له فِي الشّرعِ؛ فنفْيه وإثْباته يفْتقر إلى تفصيل ودليل كما تقدّم» (الفتاوى 5/307)

وبمثل هذه النصوص يتبين لنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية من أشد الناس بعداً عن التشبيه والتجسيم المزعوم في حقه، وأنه يثبت النصوص الشرعية على وجهها، وهو كذلك يبدَّع من قال بالقول المجمل المحدث في الشرع إذا أراد به نفي ما وصف الله به نفسه، ومع ذلك يستفسر ويسأل عن مراد قائل القول المجمل، فإن أراد به الحق قبل، وإن أراد به الباطل رد سائلا الله التوفيق والسداد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ