إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان إقناع من يرى تعارضاً في النصوص
المجيب
د. أحمد بن عبدالرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاحد 29 ربيع الثاني 1424 الموافق 29 يونيو 2003
السؤال

كيف أرد على من يقول: صحيح أن النقل مقدم على العقل ولكن ليس كل تفسير للنقل هو المقصود،ويقول على سبيل المثال أثبت لي أن المقصود بلهو الحديث في القرآن معناه عند الله الغناء،وقلت إن ابن مسعود – رضي الله عنه- أقسم أنه الغناء ، قال كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ويرى أننا لو أخذنا بكل ما يقول العلماء واستسلمنا له كتحريم إدخال الدش للبيت فإننا سنعود للوراء، ولا يمكن أن يقتنع بحرمة السفر للدول الكافرة من أجل السياحة،وإذا استشهدت بحديث "أنا بريء ممن يعيش بين ظهراني المشركين" قال: أكيد أن له مناسبة خاصة ولا أعتقد أن تفسيره يعني تحريم السفر لبلادهم، ويرى التسهيل وعدم التشدد، ولا يقتنع أحياناً بحرمة بعض الأشياء التي انغمس الناس فيها وأصبحت عادة، ولا سيما إذا كان المجتمع عنده أن الأمر عادي وليس بمحرم، ودائماً يكرر قد يكون هناك أقوال أخرى للعلماء وتفسيرات أخرى للأدلة فلا تجبرونا على الأخذ بما يرويه علماؤنا في السعودية فقط، كالحجاب وقيادة المرأة للسيارة ، والاحتفال بمولد الرسول - صلى الله عليه وسلم -مع أنه لا يفعل ذلك ولا يحبه ،وعلى هذا قس الرجل محب للخير يتضايق عندما يهاجم الصالحون عبر وسائل الإعلام، يؤمن بأن النقل يجب أن يقدم على العقل، ذكي وعقليته فذة، مجتهد، ومخلص في أداء عمله، صاحب خلق عال. الرجل يقبل الحوار، وعجزت أن أقنعه فأرجو الإجابة الشافية.

الجواب

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
أولاً: من الأمور المسلمة عند أهل العلم أنه لا يمكن ولا يتصور أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح ؛ لأن العقول الراجحة تؤيد ما جاء في الشريعة من أحكام ، وتنقاد لها مسلمة راضية بذلك ، كما أن من المقرر عندهم كذلك أنه إذا حصل عند الإنسان تعارض بينهما أن هذا التعارض في نظر الإنسان وليس في نفس الأمر وحقيقته ، وإذا حصل عند الإنسان هذا التعارض فإن النقل مقدم على العقل ؛ لأن النقل لا يعتريه ما يعتري العقل من الأهواء والآفات والأمراض.
ثانياً : كثير من الأدلة الشرعية الواردة في الكتاب والسنة لم تأتِ لبيان وقائع محددة تبين حكمها من جميع الجوانب ، وإنما جاءت متصفةً بالعموم والإطلاق ؛ ليدخل تحتها ما لا يحصى من الوقائع والحوادث – ما كان منها موجوداً وقت نزول الوحي، وما استجد منها بعد ذلك – وهذه الأدلة لا يتيسر لكل الناس تحديد المراد منها، ولا معرفة ما يدخل فيها من الحوادث وما يخرج عنها ؛ لأن هذه الأدلة -كما سبق ذكره- متصفة بالعموم والإطلاق وما إلى ذلك ، وإنما يفهم المراد منها وما يدخل تحتها وما يخرج عنها أهل العلم الذين أخذوا منه بحظٍ وافر ، ولو جعل الأمر لأفهام الناس عموماً لحصل التناقض والتضاد في شريعة رب العالمين ؛ لأن كل إنسان يفسر النصوص حسب فهمه القاصر، وبناءً على إدراكه الناقص ، وهذا باطل ؛ لأن ذلك قدح في شرع الله ، وقد نزه الله شرعه عن أن يكون كذلك.
ثالثاً: إذا تقرر أن أهل العلم هم الذين يبينون المراد بالأدلة الشرعية التي تحتاج إلى تفسير وإيضاح وبيان ، فيجب على الناس قبول قولهم ، ولا يجوز لهم العدول عنه إلا إذا كان الإنسان أهلاً للاجتهاد، فيأخذ بالقول الذي أداه إليه اجتهاده ، أما من لم يكن من أهل الاجتهاد والنظر فإنه يحرم عليه الانفراد برأيه، ويجب عليه سؤال أهل العلم ، استجابةً لقوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" [النحل: 43] . ولذلك فإن الواجب علينا أن نفهم النصوص الشرعية كما فهمها سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - ومن سار على طريقتهم ، ومن ذلك تفسير ابن مسعود -رضي الله عنه- لقوله تعالى: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله" [لقمان: 6] حيث قال -رضي الله عنه-: إن لهو الحديث هو الغناء ، فتكون هذه الآية دالةً على تحريم الغناء. وليس من الصحيح أن يأتي إنسان ليس من أهل العلم ويقول: لا نأخذ بكلام ابن مسعود – رضي الله عنه- لأن كل الناس يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول -صلى الله عليه وسلم -؛ لأن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن المقرر عند أهل العلم أن لقول الصحابي حظه من الحجية على اختلاف بينهم ، لكن قول الصحابي فيما لا مدخل للرأي فيه كتفسير ابن مسعود – رضي الله عنه- للهو الحديث معتبر عند أكثر العلماء ؛ لأنهم يعطونه حكم الرفع، فالصحابي لم يتكلم في مسألة لا مدخل للرأي فيها إلا لكونه سمع ما قاله من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ; أما الاستدلال بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه أبو داود (2645) والترمذي (1604) والنسائي (4780) "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين " على تحريم السفر إلى بلاد الكفر من أجل السياحة فهو استدلالٌ قوي ؛ لأن تبرؤ الرسول- صلى الله عليه وسلم - من أي فعل يدل على تحريمه ، أما ما تنقله عن صاحبك من قوله :" أكيد أن له مناسبة خاصة ولا أعتقد أن تفسيره يعني تحريم السفر لبلادهم"، فهذا كلام باطلٌ، وهو صادرٌ من إنسان جاهل ؛ لأن هذا الكلام خطير قد يؤدي إلى إبطال جميع الأدلة الشرعية بحجة أنه قد يكون المقصود منها خلاف ما هو ظاهر منها ، والكلام في الأدلة الشرعية لا يكون مبنياً على الاحتمالات والأوهام – كما هو فعل صاحبك – وإنما يكون مبنياً على العلم المسبق والمعرفة المتيقنة أو المظنونة ظناً غالباً.
رابعاً: المرجع في بيان الأحكام الشرعية هو الأدلة الشرعية المعتبرة من الكتاب والسنة وما يُلحق بذلك كالإجماع والقياس وقول الصحابي ……إلخ ، أما كون ذلك الحكم يساير العصر أو يوافق ما عليه حال الناس والمجتمعات فهذا لا أثر له ولا اعتبار له البتة ، بل ما دلت عليه الأدلة الشرعية هو المعتبر سواءً وافق العصر وسايره أم خالفه ، ولو كان الحاكم في هذا الأمر هو حياة الناس فما وافقها أخذنا به وما خالفها رددناه لما كان هناك تكليفُ ولا ابتلاء ولا امتحان، والله - سبحانه وتعالى- قد كلفنا بهذه الأحكام وابتلانا ليعلم المؤمن المتبع من الكافر المعاند.
خامساً: هذه الشريعة مبنية على التيسير والتسهيل في أحكامها وتشريعاتها ، قال تعالى: "وما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج: 78] وقال تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" [البقرة: 185]، وقال الرسول – صلى الله عليه وسلم -; :" إن الدين يسرٌ ولن يشادّ الدين أحدٌ إلا غلبه" رواه البخاري (39) ومسلم (2816) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه- .وليس المقصود من هذه النصوص وأمثالها أن جميع الأحكام والتكاليف الشرعية يجب أن تكون يسيرة وسهلة في نظر الإنسان ، وإنما المقصود أن تكاليف هذا الدين كلها في حدود قدرة المكلف ، ولا يترتب على أدائها ضررٌ في نفسه أو ماله ، أو مشقةٌ فادحة تعود على الإنسان بكراهية ما أُمر به أو بالانقطاع عنه وعدم العودة إليه.
سادساً: من رحمة الله بعباده أن جعل منهم علماء يبينون للناس ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، ويوضحون لهم ما أشكل عليهم فهمه من النصوص الشرعية، وتعبد الله الناس عموماً بالرجوع إلى العلماء، وأوجب على من لم يكن من أهل العلم أن يسأل العلماء أينما كانوا وحيثما وجدوا، سواءٌ أكان العلماء في هذا البلد أم في غيره من البلاد، ولكن المهم جداً أن يثبت أن هذا الإنسان عالمٌ بأحكام الشرع، فإذا ثبت ذلك أصبح من أهل العلم الذين يرجع الناس إليهم ويعملون بفتواهم، ولا يتحدد ذلك بزمن محدد أو مكان معين .والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ