إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان المنهج الصحيح تجاه المشتبهات والشبهات
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الخميس 09 شوال 1429 الموافق 09 أكتوبر 2008
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد ناقشت أحد زملائي الشيعة الإمامية في الأمور المذهبية، وقد تجنبت الحديث معه، وفي مرة من المرات أثار لي شبهة عظيمة ما زال أثرها باقياً في نفسي، وهذه الشبهة تتلخص في حديث رزية الخميس الذي رواه ابن عباس – رضي الله عنهما – في البخاري، وقصة تهجم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين قال عمر – رضي الله عنه – على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "دعوه فإنه يهجر" ، وقد أثار هذه الشبهة لي عن طريق إرسال رسالة لي، وأنا لم أتثبت الأمر فساعدوني في كشف هذه الشبه. وجزاكم الله خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فجواباً على السؤال أقول، وبالله التوفيق:
قبل الجواب عن الإشكال الذي ذكره السائل، والذي أوقع في قلبه حرجاً شديداً، ويريد ما يفرج عنه هذا الحرج، فإني أنصح السائل بمنهج صحيح تجاه المشتبهات والشبهات، وهو أن يستحضر في علمه وقلبه المحكمات والأدلة الواضحات القاطعات المشتهرات، ثم ليعرض تلك الشُّبه عليها، فإنه سيجد أن هذه الشبه قد سقطت على جدار حصون المحكمات، وسيراها قد احترقت تحت ضوء شمس الأدلة الباهرات وتصبح تلك الشبه - حتى ولو لم يجد لها جواباً - كحفنة تراب ألقاها عدو حاقد على جدار حصن عظيم، هل تؤثر فيه شيئاً؟! أما أن يجعل المرء قلباً خلواً من تحصينات المحكمات، فإنه سيكون قلبه حينها مستودعاً للمتناقضات، ولن يدوم على عقيدة إلا وقد تحول عنها إلى غيرها، حقاً كانت أو باطلاً، وكأن قلبه حينها قطعة من قطن، تمتص كل ما لامسها، أصفواً كان أو كدراً، وطيباً كان أو خبيثاً.
وبناء على هذا المنهج الشافي، فإني أقدم الجواب بأنه عليك يا أخي أن تتذكر بعض ما جاء في مناقب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ألم يقل النبي – صلى الله عليه وسلم - : "والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجا إلا سلك فجا غير فجك" أخرجه الشيخان البخاري (3683)، ومسلم (2396) من حديث سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه-. ألم يقل النبي – صلى الله عليه وسلم - : "بينما أنا نائم، رأيت الناس يعرضون، وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره"، قالوا: ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: "الدين". متفق عليه البخاري (23)، ومسلم (2390) من حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-
ألم يقل النبي – صلى الله عليه وسلم –: "بينما أنا نائم، إذ رأيت قدحاً أتيت به، فيه لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب". قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال : "العلم" متفق عليه البخاري (82)، ومسلم
(2391) من حديث ابن عمر –رضي الله عنهما-.
ألم يقل النبي – صلى الله عليه وسلم – "دخلت الجنة، فرأيت فيها داراً أو قصراً، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخل، فذكرت غيرتك" فبكى عمر، وقال: أي رسول الله! أو عليك يُغار . أخرجه الشيخان البخاري (5226)، ومسلم (2394) من حديث جابر –رضي الله عنه-.
ألم يقل النبي – صلى الله عليه وسلم - : "قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم" أخرجه البخاري (3469) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- وأخرجه مسلم (2398) من حديث عائشة –رضي الله عنها- وانظر فتح الباري (7/50).
أوليس هو الفاروق؟ أليس هو أحد العشرة المبشرين بالجنة؟ وهذا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – يعلن حبه وإجلاله وتعظيمه لعمر – رضي الله عنه -.
فعن ابن عباس – رضي الله عنهما -، قال: "وضع عمر بن الخطاب على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقي الله بمثل عمله منك، وأيم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذاك أني كنت أكَثِّرُ أسمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" متفق عليه البخاري (3677)، ومسلم (2389).
وقال محمد بن الحنفية (وهو ابن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه): قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ قال أبو بكر قلت ثم من؟ قال: ثم عمر" أخرجه البخاري (3671).
وقال علي بن أبي طالب: "ما نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر" أخرجه الإمام أحمد (834) بإسناد صحيح.
وإني إذ أعرض هذه النصوص لألوم نفسي إذ إني تعرضت لأمر عظيم، قد صنف العلماء فيه كتباً ومصنفات. فمن يجهل مكانة الفاروق في الإسلام؟ ومن ينسى سيرته وعدله وعبادته وزهده ونصره للإسلام والمسلمين ؟
وما أحسن قول الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى عندما سأله هارون الرشيد: يا مالك، كيف كانت منـزلة أبي بكر وعمر من النبي – صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قربهما منه في حياته، كقرب مضجعهما من مضجعه بعد وفاته، فقال هارون: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك. أخرجه الزبير بن بكار في جمهرة نسب قريش (2/584)، والآجري في الشريعة (1849)، وغيرهما بإسناد صحيح، فإذا اطمأن القلب بتلك النصوص والأدلة والشواهد المحكمة الواضحة، فأعرض على قلبك بعدها تلك الشبهة، هل يبقى لها أثر؟ ومع ذلك فقد أجاب العلماء عن ذلك الحديث، وبينوا حقيقته، ومن أحسن الأجوبة: هو أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع من النبي – صلى الله عليه وسلم – ذلك الطلب، الذي فيه معنى دنو الأجل واقتراب ساعة الوفاة من النبي – صلى الله عليه وسلم – أصابته دهشة وحيرة في ذلك المقام العظيم والمصاب الجسيم، كما أصابه ذلك بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – فكان يكذب من يقول بوفاة النبي – صلى الله عليه وسلم -، ويتوعده بالقتل، من عظيم حبه وتعلقه بالنبي – صلى الله عليه وسلم – فحملته تلك الحيرة والدهشة، مع علمه بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – بشر، يعتريه ما يعتري البشر من المرض والحمى وآثارهما، إلى أن يظن أن هذا من النبي – صلى الله عليه وسلم – كلام من أثر مرضه وأثناء غيبوبته من الحمى. وانظر أجوبة أخرى في (المُعْلِم) للمازري (2/234)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (5/379 – 382)، والمفهم للقرطبي (4/559 – 560)، وفتح الباري لابن حجر (7/739 – 740).
ثم إننا لا نشك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد أدى الأمانة وبلغ الرسالة على الوجه الأكمل، فلو لم يكن فيما بلغه لأمته كفاية لها، ولو لم يكن ما أراد ذكره وكتابته ساعة وفاته قد سبق منه ما يدل عليه، ولو كانت دلالته فيها شيء من الخفاء، لولا ذلك كله لما ترك النبي – صلى الله عليه وسلم – البلاغ والبيان لمجرد ذلك التنازع الذي حصل بمحضره – صلى الله عليه وسلم – وإلا فقد وقع بين أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – وبمحضره اختلافات عدّة أثناء حياته – صلى الله عليه وسلم -، فلم يمنع ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم - من البيان والبلاغ، لما كان البلاغ والبيان مما لا غنية للمسلمين عنه من شؤون دينهم.
وعلى هذا، فإن ترك النبي – صلى الله عليه وسلم – للكتابة بعد استفاقته من غيبوبته، يدل على أن ما أراد كتابته موجود في كتاب الله تعالى وسنته – صلى الله عليه وسلم – ولو على وجه يحتاج إلى اجتهاد واستنباط للوصول إليه.
وبهذا يتبين أنه لم يقع من عمر – رضي الله عنه – أمر يحتاج إلى طول اعتذار، ولا هناك شبهة قوية تقدح في مكانة الفاروق – رضي الله عنه – بل لم يزل – رضي الله عنه- ولا يزال خير هذه الأمة بعد نبينا – صلى الله عليه وسلم – وبعد أبي بكر، كما قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه.
والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ