إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان السلف والتصوف
المجيب
د. عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 16 شعبان 1424 الموافق 12 أكتوبر 2003
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيوخنا الأفاضل، عند مناقشة المتصوفة في أمور العقيدة السلفية يأتون بشبهة كون هذه العقيدة مفتراة على السلف، ولم يكن الأئمة الأربعة يقولون بذلك، ويدَّعون أنه لا يوجد أثر صحيح السند إلى الأئمة الأربعة يقول بما نقول من أن دعاء الأولياء والصالحين والتوسل بهم شرك بالله، بل على العكس فإن الأئمة الأربعة امتدحوا التصوف وحثوا الناس عليه.أنا بدوري أحاول أن أقوم بتحقيق بسيط في هذا الموضوع، هل لكم أن تساعدوني بعلمكم المبارك بالتوضيح والرد على هذه الشبهة، وما صحة القولين التاليين:
(1) ما صحة هذا القول المنسوب إلى الإمام مالك رحمه الله ورضي عنه:قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق" .
(2) ما صحة نسبة هذين البيتين إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه:
فقيهاً وصوفياً فكن ليس واحداً *** فإني وحق الله إياك أنصح
فذلك قاسٍ لم يذق قلبه تقى *** وهذا جهول كيف ذو الجهل يصلح
أعتذر عن الإطالة لأهمية السؤال، وأرجو من فضيلتك التكرم بتفصيل الإجابة ما أمكن.وجزاكم الله عنا كل خير.

الجواب

الجواب عن سؤالك – أخي يزيد – يطول جداً، لكن سأذكر لك بعض النقاط التي تعينك في فهم الجواب:
(1) من المهم جداً قبل البحث مع هؤلاء في مسألة التصوف، ودعاء الأولياء والصالحين والتوسل إليهم أن تنتبه إلى أمرين:
الأول: أن تذكِّر هؤلاء بحقيقة دعوة الرسل كلهم، من نوح إلى محمد - عليه صلوات الله وسلامه - وهي الدعوة إلى توحيده سبحانه وإفراده بالعبادة، ولا يشرك في عبادته أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، لأن جميع أنواع العبادة من الدعاء والنذر والذبح ونحوها لا يجوز صرفها إلا لله؛ لأن العبادة حق محض لله تعالى: كما قال سبحانه: "وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ" [يّـس:61]، وقال سبحانه: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات:56].
فمن دعا إلى هذا الطريق، وحذَّر من ضده فقد سلك سبيل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ومن خالفه بأن أمر الناس أن يتعلقوا بغير الله – مهما كان – في جلب النفع أو دفع الضر الذي لا يقدر عليه إلا الله – فقد شابه المشركين، وانحرف عن طريق المرسلين، الذين كانوا يدعون أنهم ما يعبدون أصنامهم إلا لتقربهم إلى الله زلفى! وأن أولئك المشركين لم يكن ينفعهم إيمانهم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت؛ لأنهم أشركوا به في توحيد الألوهية.
الأمر الثاني: دعوى هؤلاء أن الأئمة الأربعة كانوا يحثون على التصوف، وامتدحوه، فإننا نسأل هذا المدعي: ماذا تعني بالتصوف الذي حث عليه هؤلاء الأئمة؟
إن كان المراد به الحث على العبادة والزهد في الدنيا، وحمل النفس على مكارم الأخلاق، مع الحرص على اقتفاء السنة في ذلك من غير غلو ولا شطط، ولا إتيان بطرق من التزهد والتعبد لم يفعلها النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا صحابته الكرام - رضي الله عنهم -فهذا حق، وإن كنا لا نسلم بالتسمية (التصوف)؛ لأنها تسمية حادثة بعد القرون المفضلة.
وإن كان مرادكم بالتصوف الذي حثَّ عليه هؤلاء الأئمة هو التوسل بالصالحين، ودعاؤهم فهذا من أعظم الكذب والافتراء عليهم، وكيف يستجيز عاقل قرأ سيرهم أن ينسب ذلك لهم، وإليك بعضاً مما نقل بعض هؤلاء الأئمة أنفسهم في هذا المقام الخطير، ومن لم أجد نقلاً عنه، نقلت عن بعض أتباعه الذين قرروا ما قاله أئمتهم رحمهم الله جميعاً.
أما فيما يتصل بمذهب الإمام أبي حنيفة – رضي الله عنه -، فيقول العلامة محمد بن سلطان المعصومي – رضي الله عنه – وهو من علماء الحنفية – في كتابه (حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد، ص: (315) ضمن مجموعة رسائل، بعد أن ذكر ما يقع فيه بعض الجهال من الاستغاثة بالأولياء والصالحين: (يا أيها المسلم العاقل الصحيح الإسلام، تدبر وتفكر، هل ثبت أن أحداً من الصحابة – رضي الله عنهم – نادى النبي – صلى الله عليه وسلم – في حياته أو بعد مماته من بعيد واستغاث به؟ ولم يثبت عن أحد منهم أنه فعل مثل ذلك! بل قد ورد المنع من ذلك، كما سأذكره – إن شاء الله تعالى – إلى أن قال: وها أنا أذكر من نصوص المذهب الحنفي – من الكتب المعتبرة والفتاوى المشهورة – ففي شرح القدوري: "إن من يدعو غائباً أو ميتاً عند غير القبور، وقال يا سيدي فلان ادع الله تعالى في حاجتي فلانة زاعماً أنه يعلم الغيب، ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإن علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى، وكذا إن قال عند قبر نبي أو صالح: يا سيدي فلان اشف مرضي، واكشف عني كربتي، وغير ذلك، فهو شرك جلي، إذ نداء غير الله طالباً بذلك دفع شر أو جلب نفع فيما لا يقدر عليه الغير دعاء، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك) ... (ثم نقل المعصومي عدة نقولات عن أئمة الحنفية مما يدل على هذا المعنى).
وأما الإمام مالك، فقد نقل عنه كلمات في هذا الموضع تؤكد ما ذكرنا، ومن ذلك قوله: "أكره تجصيص القبور، والبناء عليها، وهذه الحجارة التي يبنى عليها" كما في المدونة (1/189) والكراهة في كلام الإمام مالك هنا كراهة تحريم كما بين ذلك أصحابه، العالمون بكلامه.
وقال رضي الله عنه : (لا أرى أن يقف عند قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – يدعو، ولكن يسلم ويمضي) كما في صيانة الإنسان (ص: 264).
وقال القرطبي المالكي في تفسيره (10/380): "وقال علماؤنا (يعني المالكية): "ويحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد) انتهى.
والمعنى – كما بينه القرطبي نفسه في نفس الموضع السابق – لأجل ألا يؤدي ذلك إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام، فحذَّر النبي – صلى الله عليه وسلم – من مثل ذلك، وسدَّ الذرائع المؤدية إليه.
وأما الإمام الشافعي – رضي الله عنه – فقد نقل عنه نحو ما نقل عن الإمام مالك – رضي الله عنه - ، وأما أتباعه فكلامهم في التحذير من الشرك، وبيان وسائله كثير جداً، فمن ذلك قول النووي – رحمه الله - : (ويكره تجصيص القبر والبناء والكتابة عليه، ولو بنى مقبرة مسبلة هدمت" كما في السراج الوهاج (1/114).
وقال في شرحه لصحيح مسلم 5/13 – 14 : (قال العلماء إنما نهى النبي – صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ مقابر من الأمم الخالية – لما احتاج الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حيث كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه – ومنها حجرة عائشة – رضي الله عنها – مدفن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصاحبيه أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله؛ لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر).
وأما الحنابلة، فكلامهم في هذا الموضع أشهر من أن يذكر لكثرته، ومن ذلك:
قول الحجاوي في كتابه "الإقناع" 6/186: (من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم كفر إجماعاً؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام) انتهى .
فأنت ترى – يا محب إجماع الأئمة الأربعة وأتباعهم على نبذ مثل هذه الأمور والتبرؤ منها فكيف يدعي هذا – هداه الله – أن الأئمة مدحوا التوسل والتعلق بالأولياء والصالحين؟! "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"؟!
ينظر لمزيد من الأمثلة والنقول كتاب: أربع رسائل للدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس بعنوان بيان التبرك ووسائله عند الأئمة الأربعة.
ومما يمكن أن يجاب به هؤلاء المدعين لما ذكرت، أن يقال: إن مصطلح التصوف لم يكن مشهورا في القرن الأول، وإنما بدأ ظهوره في القرن الثاني ثم اشتهر في القرن الثالث – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (11/6-7) وقد قرر هذه القضية أيضاً قبله العلامة ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس" (ص:199) وما بعدها.
وأنت تعلم بارك الله فيك، أن الأئمة الثلاثة: "أبا حنيفة ت:150هـ، مالكاً ت:179هـ والشافعي ت:204هـ) ماتوا في القرن الثاني – إلا الشافعي ففي أول الثالث، وهذا يعني أنهم ما أدركوا من شهرته شيئاً.
وأما الإمام أحمد (ت:241هـ) فقد أدرك بعض أعلام المتصوفة، والذين كانوا في أكثر أحوالهم على السنة، ولكن صدر من بعضهم بعض الهنات والمخالفات التي كان سببها البعد عن مجالس العلم، وكان الأئمة ينكرون عليهم ما خالفوا فيه السنة، ويثنون على ما وافقوا فيه السنة من أمور الزهد والتعبد، فقد أنكر الأئمة – أحمد وغيره – ما وقع فيه بعض هؤلاء من ترك الزواج، والخروج في البراري، وتحريمهم تناول الطيبات على أنفسهم، إلى غير ذلك من ألوان الزهد المخالف للسنة.
ولم يكن الأئمة – أحمد وغيره – ينكرون هذا اعتباطاً، أو لمجرد رأي محض، بل لأن النبي – صلى الله عليه وسلم أنكر هذه الطرق من التعبد والتزهد، وذلك في القصة المشهورة التي أخرجها البخاري ومسلم، حينما جاء ثلاثة نفر، فسألوا عن عبادة النبي – صلى الله عليه وسلم – فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم وقال الآخر، أما أنا فلا أنام الليل، وقال الثالث أما أنا فلا أتزوج النساء، فنهرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – وزجرهم وقال لهم: " أما أنا فأنام, وأقوم، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". واعلم أن هذه المخالفات لم تقف عند هذا الحد، بل تطور الحال بهؤلاء المتصوفة إلى أحوال شنيعة من دعاء غير الله تعالى، وادعاء علم الغيب، والقدرة على التصرف في الكون ... الخ، ويمكنك أن تراجع في الحديث عن نشأة وتطور الصوفية: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة 1/253 – 278، ففيها حقائق وتوثيق لنشأة وتطور هذه الفرقة المنحرفة عن جادة السنة.
أما البيتان اللذان سألت عنهما فلم أجدهما بعد بحث طويل، وكذا الكلمة المنسوبة للإمام مالك.
وهنا يحسن أن لا تكون – أخي الكريم – في موقف المدافع عن أمثال هؤلاء، بل بإمكانك أن تكون في موقف المهاجم – إن صح التعبير – فلا يصح أن تسلم بكل ما يقال، بل من حقك أن تسأل الذي يدعي نسبة ذلك إلى الأئمة – من حقك – أن تسأل عن مصدره فيما نقل؟ من هو الناقل وفي أي كتاب؟ وما صحة سند ذلك النقل؟ خاصة إذا كان ذلك يخالف المشهور والمعروف من سيرتهم وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ