إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 15 رجب 1428 الموافق 29 يوليو 2007
السؤال

حديث الآحاد يؤخذ به في العقائد، فما حكم مُنْكرِ نزول سيدنا عيسى عليه السلام؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
أما خبر الآحاد الذي يصححه أهل الحديث ويقبلونه فهو حجة في العقائد والأحكام، بإجماع الصحابة- رضي الله عنهم – والتابعين وتابعيهم، إذ كانوا – رضي الله عنهم- يروون أحاديث الآحاد في العقائد، ويعتقدون بما تضمنته من العقائد والأخبار الغيبية، ولا يفرقون بينها وبين أحاديث الأحكام في شروط القبول وأسباب الرد، بل يوجبون في أحاديث العقائد ما يوجبونه في أحاديث الأحكام من التثبت والتحري.
وقد قال الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة):"ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي. ولكن أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد، بما وصفت من أن ذلك موجود على كلهم) الرسالة للشافعي(457-458 رقم 1248-1249).
وقال ابن عبد البر الأندلسي الفقيه المالكي الشهير (ت463هـ)، وهو يتكلم عن خبر الآحاد وموقف العلماء منه: (وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة). (التمهيد لابن عبد البر1/8).
وقال ابن قيم الجوزية (ت751) وهو يرد على من لم يحتج بخبر الآحاد في العقائد من أهل البدع، (وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب -تعالى-بها. فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول. فإن الصحابة – رضي الله عنهم- هم الذين رووا هذه الأحاديث وتلقاها بعضهم عن بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين، من أولهم إلى آخرهم..." (مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم:( 577). وبناءً على ذلك: فإن رد خبر الآحاد في العقائد منهج بدعي يخالف إجماع أهل السنة والجماعة.
بل إن رد خبر الآحاد في العقائد يؤول إلى رد السنة كلها، كما قال الإمام أبو حاتم ابن حبان (ت354هـ)، في مقدمة صحيحة: (فأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد)، إلى أن قال: (وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد، فقد عمد إلى ترك السنن كلها؛ لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد). (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: (1/156).
وأما إنكار نزول عيسى -عليه السلام- في آخر الزمان، فلا شك أنه خطأ كبير، لا يكون إلا عن جهل بنصوص الكتاب والسنة الواردة في ذلك، أو عن منهج مبتدع في طريقة التعامل مع أدلة القرآن والسنة، لن يكون إنكار نزول عيسى -عليه السلام- معه أول ضلالاته ومنكرات آرائه المبنية عليه، ولا آخرها.
ولقد جاء ما يدل على نزول عيسى عليه السلام في القرآن الكريم في ثلاث آيات منه، وهي:
قوله –تعالى-: "وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً" [النساء:159]، ومعنى الآية: ليس أحد من اليهود والنصارى إلا وسيؤمن قطعاً وجزماً بعيسى -عليه السلام-، عبد لله –تعالى- ورسولاً منه –سبحانه-، وذلك سيكون قبل موت عيسى -عليه السلام-، ومعلوم أن هذا لم يقع حتى الآن، مما يعني أنه مما سوف يقع فيما نستقبله من الزمان.
وقوله –تعالى-: "وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ" [الزخرف: من الآية61]، لقد كانت الآيات قبل هذه الآية تتحدث عن عيسى -عليه السلام-، فالضمير في هذه الآية يعود إليه -عليه السلام-. والمعنى: إن عيسى -عليه السلام- شرط وعلامة من علامات الساعة التي تعلم بها، فسمي الشرط علماً لحصول العلم به. وقوله –تعالى-: "وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً" [آل عمران: 46]. ووجه دلالة هذه الآية على نزول عيسى -عليه السلام- أن الله –تعالى- عدد بعض خصائص عيسى -عليه السلام- ودلائل نبوته، فكان منها كلامه في المهد وهو رضيع، وكلام الرضيع من الخوارق الدالة على النبوة ولا شك. فما هو وجه ذكر كلامه وهو كهل، والكهولة سن بداية ظهور الشيب، والأصحاء كلهم يتكلمون في هذا السن؟!
إن ذكر الكلام في سن الكهولة في سياق ذكر خصائص عيسى -عليه السلام-، والخوارق التي تدل على نبوته فيه إشارة واضحة إلى أن هذا الكلام سيكون في حالة تكون معها إحدى خصائصه أيضاً الدالة على نبوته،وهذه الحالة لم تقع فيما مضى من حياته التي كان فيها بين الناس، وذلك مما لا يخالف فيه اليهود والنصارى والمسلمون. فلم يبق إلا أن هذه الخصيصة ستتحقق فيما نستقبل من الزمان، وهذا يعني أن عيسى -عليه السلام- سيعود بين الناس، لتتحقق له هذه المعجزة، وهي كلامه كهلاً.
ومع هذه الآيات فهناك أحاديث صحيحة كثيرة في نزول عيسى -عليه السلام-، ومنها أحاديث أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما، اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله، وهي أحاديث تلقتها الأمة بالقبول، فهي مفيدة لليقين، حتى عند أهل البدع من أهل الكلام، الذين لا يحتجون بأخبار الآحاد في العقائد، بل لقد وصفت أحاديث نزول عيسى عليه السلام بالتواتر، ووصفها بذلك جمع كبير من أهل العلم، ومنهم:
(1) ابن جرير الطبري(ت310هـ) في تفسيره (5/451) في تفسير الآية (55) من سورة آل عمران.
(2) وأبو الوليد ابن رشد المالكي(ت520هـ) في البيان والتحصيل(18/255).
(3) وعبد الحق بن عطية المالكي(ت541هـ) في تفسيره(308)، في تفسير الآية(55)، من سورة آل عمران.
(4) وابن كثير(ت774هـ)، في تفسيره(7/236)، في تفسير الآية(61) من سورة الزخرف.
(5) والشوكاني(ت1250هـ)، له كتاب: (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح).
(6) والكتاني(1345هـ)، فقد ذكره في كتاب: نظم المتناثر من الحديث المتواتر (رقم 291).
(7) ومحمد أنور شاه الكشميري(ت1352هـ)، له كتاب: التصريح بما تواتر في نزول المسيح.
ولذلك فقد ذهب بعض أهل العلم إلى تكفير من أنكر نزول عيسى -عليه السلام-، مع علمه بالنصوص الواردة في ذلك، كما ذهب إليه العلامة محمود شكري الألوسي البغدادي(ت1270هـ)، في تفسيره (روح المعاني)، في تفسير الآية رقم(44) من سورة الأحزاب(22/34).
ولا شك أن التكفير له شروط، ولا يفقهها كل أحد. لكن هذا كله يدل على بعد إنكار نزول عيسى -عليه السلام- عن الصواب، وأن على قائل ذلك الرجوع إلى الحق، وأن لا يتكلم إلا بعلم، وأن يسلم لنصوص الوحيين: الكتاب والسنة.
هدى الله الجميع إلى مرضاته، وبلغنا أعالي جناته. والله أعلم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ