إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تدوين السنة
المجيب
د. سليمان بن عبد الله القصير
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 22 ربيع الأول 1429 الموافق 30 مارس 2008
السؤال

هل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة السنة؟ ولو كان ذلك فكيف تمت كتابتها مع نهي النبي- صلى الله عليه وسلم- عن ذلك؟ ويرجى ذكر حديث المنع أو الجواز. وجزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى قد تكفَّل بحفظ السنة النبوية من النسيان والضياع، فقال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [الحجر: 9]، والذكر هنا القرآن والسنة كما قال علماء التفسير، فقيض الله تعالى للحديث النبوي رجالاً سهروا الليالي ووجهوا للحديث العناية التامة حفظاً وإتقاناً وفهماً وتبليغاً للأمة، فتناقلها الخلف عن السلف غضة طرية، كما تكلم بها النبي – صلى الله عليه وسلم-، وقد كان حفظ السنة بطريقتين:
الأولى: بكتابة شيء منها، وقد ورد هذا في أحاديث متعددة منها ما أمر به – صلى الله عليه وسلم- ومنها ما أقر أصحابه على كتابه وتدوينه ومن ذلك:
(1) حديث أبي هريرة – رضي الله عنه- أن النبي – صلى الله عليه وسلم- لما فتح مكة قام وخطب في الناس، فقام رجل فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: اكتبوا له، رواه البخاري ومسلم وغيرهما، أخرجه البخاري في العلم باب كتابة العلم ح(112)، ومسلم في الحج باب تحريم مكة ح(1355).
(2) قول أبي هريرة – رضي الله عنه-: "ما من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم- أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب" رواه البخاري في العلم باب كتابة العلم ح(113).
(3) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق" أخرجه أبو داود ح(3646)، وابن أبي شيبة(9/49-50)، والدارمي(1/125)، وأحمد(2/162) والحاكم(1/105-106)، وإسناده صحيح.
(4) وقد ثبت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أنه كتب كتباً متعددة إلى أمرائه على الأقاليم ببعض الأحكام الشرعية وهي من السنة قطعاً، كما إن في بعضها تفصيلاً طويلاً كما في كتاب عمرو بن حزم وهو كتاب مشهور، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة لا يسع المجال لذكرها.

وأما حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- الذي رواه مسلم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه...الحديث" أخرجه مسلم في الزهد والرقائق،باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم ح(93)، وهذا هو أصح حديث في النهي عن كتابة الحديث، وهناك أحاديث أخرى لكنها ضعيفة لا تصح ولا تثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم-.
وحديث أبي سعيد –رضي الله عنه- هذا وإن كان رواه مسلم فقد رجَّح عدد من أئمة الحديث كالإمام البخاري وغيره أن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- وأن الصحيح فيه أنه من قول أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-، وعلى هذا فلا حجة فيه؛ لأن قول الصحابي ليس بحجَّة كقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم خصوصاً إذا خالف قول الرسول – صلى الله عليه وسلم- وقد عارض قول أبي سعيد هذا الأحاديث التي قدمنا ذكرها وهي صحيحة لا مطعن فيها. والنهي الوارد في حديث أبي سعيد لو صح مرفوعاً إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-، فقد بين العلماء المراد منه والجواب عليه، فمما قالوا في ذلك:
أن هذا النهي عن كتابة الحديث إنما كان في أول الإسلام؛ مخافة أن يختلط الحديث بالقرآن، فلما كثر عدد حفاظ القرآن، وميزوا القرآن من غيره نسخ هذا النهي، وأمروا بالكتابة.
وقال بعض العلماء: يمكن أن يكون النهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لأنهم كانوا يسمعون تفسير الآيات فربما كتبوه معه، فنهوا عن ذلك خوف الاشتباه، ويؤيد هذا أنه قال – صلى الله عليه وسلم-: "لا تكتبوا شيئاً غير القرآن"، ولم يقل لا تكتبوا حديثي فقط.
ومع هذا فقد ثبت لدينا أن عبدالله بن عمرو بن العاص كان يكتب الحديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم- بأمره عليه الصلاة والسلام وتوجيهه، ولما توقَّف عن الكتابة أعاد عليه الأمر مرة أخرى.
ومع وجود بعض الأحاديث مكتوباً فإن الأعم الأغلب من السنة لم يكن مدوناً في الصحف والسطور، وإنما كان محفوظاً في الصدور وهذه هي الطريقة الثانية في حفظ السنة وهي الاعتماد على الحفظ، فقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يدعو أصحابه إلى حفظ الحديث ووعيه في الصدور، ففي صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال لوفد عبد القيس لما حدثهم بحديث: "احفظوه وأخبروه من ورائكم" أخرجه البخاري ح(87).
بل إنه عليه الصلاة والسلام دعا لمن حفظ حديثه وبلَّغه إلى غيره، فعن زيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهما – رضي الله عنهم- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره . الحديث" حديث زيد بن ثابت أخرجه أبو داود ح(3660)، والترمذي ح(2656) وابن ماجة ح(230)وح(233)، وحديث ابن مسعود أخرجه الترمذي ح(2657)، و(2658)، وغيره.
ومن ثم كان الصحابة – رضي الله عنهم- حريصين غاية الحرص على سماع حديث رسول – صلى الله عليه وسلم- وحفظه وتبليغه، وذلك لفرط محبتهم للرسول – صلى الله عليه وسلم- بل كان حبه يعلو حبهم للأهل والأبناء والأموال، وكانوا – رضي الله عنهم- يعتمدون على ملكة الحفظ والاستظهار، وقد وهبهم الله تعالى قوة في الحفظ وسيلاناً في الأذهان وصفاء في القريحة، مما جعلهم أكثر من غيرهم في هذا، كما أنهم لم تكن متوفرة لديهم بشكل عام أدوات الكتابة، كما إن عامتهم لم يكونوا يعرفون الكتابة أصلاً، وهذا الأمر كان في العرب عموماً أعني قوة الحفظ وعدم الكتابة، ولهذا يسمى العرب الأميون، كما قال تعالى: "هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم..." [الجمعة: 2]، وقال عليه الصلاة والسلام: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب..."أخرجه البخاري(1913)، ومسلم ح(1080)، وأبو داود ح(2319)، والنسائي ح(2140).
فكل هذه العوامل الدينية والفطرية والاجتماعية والنفسية ساعدت على حفظ الصحابة – رضي الله عنهم- للأحاديث النبوية أتم الحفظ، واستظهارها أقوى استظهار.
ثم إن الطريقة الأولى في حفظ السنة سادت وانتشرت شيئاً فشيئاً، فكان ابتداؤها في عهد الصحابة –رضي الله عنهم- كما قدمنا، حتى إن بعض الصحابة –رضي الله عنهم- كان لهم صحائف وكتب جمعوا فيها أهم الأحاديث مثل: الصحيفة الصادقة التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما- والتي فيها أكثر من ألف حديث، وكذلك كان لأبي هريرة – رضي الله عنه- صحيفة جمع فيها بعض حديثه، وكذلك جابر بن عبد الله وسمرة بن جندب وغيرهم، كما كانت لهم صحائف فيها بعض حديثهم.
ولما جاء عهد التابعين اهتم علماء الحديث بكتابة السنة أكثر، فكان كل عالم يكتب ما وصله من الحديث ويدونه خشية النسيان أو الضياع، حتى جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله – (ت101)، فأصدر أمراً إلى علماء الأمصار يأمرهم فيه بجمع الأحاديث، ثم بعد هذا تطور تدوين الحديث وكتابته، حتى إن العلماء جمعوه على أبواب العلم، ومن هذه الكتب على سبيل المثال موطأ الإمام مالك المولود عام 93 للهجرة، والذي جمع فيه مالك – رحمه الله- ما صح عنده من حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وجمع غيره من العلماء في باقي بلدان المسلمين، كمكة والكوفة والبصرة وبغداد ودمشق وغيرها.
وما زال تدوين الحديث في اتساع حتى صار الحفظ لوحده على نطاق ضيق جداً، وأصبحت العناية بضبط الكتب وحفظها من الضياع أو التلاعب، وكانوا يهتمون بذلك حتى إن أحدهم لا يعير كتابه لأحد إلا لمن يثق فيه ثقة تامة، وكان العلماء يقرئون تلاميذهم كتبهم ثم يسجلون عليها سماعاتهم بعد التثبت من ضبط التلميذ لما كتبه من الحديث، وأنه لا يوجد فيه تصحيف أو خطأ، وبقيت هذه الكتب إلى يومنا هذا شاهدة على عناية أمة الإسلام بالسنة النبوية وبتراث النبوة، فالحمد لله أولا وآخراً على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. وصلى الله على نبينا محمد وسلَّم تسليماً.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ