إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان مصير الجن يوم القيامة
المجيب
د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التاريخ السبت 09 رجب 1424 الموافق 06 سبتمبر 2003
السؤال

خلق الله سبحانه الإنس والجن وأطلق عليهما الثقلين، ومعنى الثقل أي الوزن، والإنسان ذو كتلة ووزن محسوس، ولكن الجان عكس ذلك، ومع ذلك جمع مع الإنس في صفة واحدة ... إذاً ما المقصود بالمعنى هنا ؟ ذكر في سورة الرحمن وصف ليوم القيامة وللحساب وللجزاء ثم وصف للجنة ...، وكررت إحدى الآيات (31) وخاطب الله سبحانه فيها الثقلين، وكانت هذه أول سورة تذكر فيها الجن بشكل مفصَّل، فهل للجن حساب وعقاب وجزاء؟ وهل يدخل فريق منهم الجنة وفريق النار؟ وهل لهم ما للإنسان من مزايا؟ وهل يفتنون في الدنيا كما يفتن الإنسان؟ وما مصيرهم آخر الزمان؟ هل ينضمون تحت تسمية أشرار الخلق ...؟ وجزاكم الله كل خير.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد فنقول وبالله التوفيق:
قصر معنى الثقل على الوزن فيه نوع تحكم، والصواب أن الثقل يطلق على معان عدة، وقد جاء في لسان العرب لابن منظور 11/88 قوله [وأصل الثقل: أن العرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون ثقلاً، فسماهما ثقلين إعظاماً لقدرهما وتفخيماً لشأنهما]، وجاء أيضاً: [وسمى الله تعالى الجن والإنس الثقلين، سُميا ثقلان لتفضيل الله إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض بالتمييز بالعقل الذي خُصَّا به، قال ابن الأنباري: قيل للجن والإنس الثقلان لأنهما كالثقل للأرض وعليها]، كما أنه لا يقتصر مسمى الثقلين على الجن والإنس، فقد جاء إطلاق هذا اللفظ على القرآن وأهل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – كما ورد في صحيح مسلم / كتاب فضائل الصحابة/ باب فضائل علي – رضي الله عنه – حديث رقم (2408) ج 4/1873 ، وفيه "أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ..." الحديث.
وأما جانب التكليف فإن الجن مخلوقون للغاية التي خلق الإنس من أجلها، قال تعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [الذاريات: 56].
فالجن على ذلك مكلفون بأوامر ونواهٍ، فمن أطاع الله رضي عنه وأدخله الجنة، ومن عصى وتمرد فله النار، ويدل على ذلك نصوص كثيرة، ومن ذلك أن الله تعالى يقول يوم القيامة مخاطباً كفرة الجن والإنس: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ" [الأنعام:130].
والدليل على أنهم سيعذبون في النار قوله تعالى: "قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ" [الأعراف:38]، وقوله: "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" [الأعراف:179]، وقوله:"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"[السجدة:13]
وهم مشاركون للإنس في جنس التكليف يقول ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 4/233 [الجن مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلين للإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساوياً لما على الإنسان في الحد، لكنهم مشاركون للإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وهذا ما لم أعلم فيه نزاعاً بين المسلمين).
ومن المعلوم أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجن كما أرسل إلى الإنس قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 19/9 (وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين وأهل السنة والجماعة وغيرهم – رضي الله عنهم أجمعين".
وأما السؤال عن فتنتهم في الدنيا ومصيرهم فظاهر أنهم في الدنيا كالإنس يفتنون ويبتلون، كما أنهم سيموتون، دلَّ على ذلك عموم قوله تعالى: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ" [الرحمن:26-27]، ثم إنهم سيحاسبون على أعمالهم كما مر، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ