إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان شبهات في جواز دعاء الأموات
المجيب
د. سالم بن محمد القرني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الثلاثاء 22 شوال 1424 الموافق 16 ديسمبر 2003
السؤال

أرسل لي شخص رسالة للاستدلال على جواز دعاء الأموات، ولم أهتم في هذه الرسالة إلا لقصتين وردتا فيها: القصة الأولى حديث الرجل الأعمى الذي قال عنه بعض العلماء إنه صحيح وضعَّفه آخرون، وفي هذا الحديث أخبره النبي – صلى الله عليه وسلم- أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو، وفي الدعاء يقول: "يا محمد إني أسألك..."، أليس هذا من دعاء الغائب؟ فالنبي – صلى الله عليه وسلم- لم يخبره أن يعود إليه للدعاء، فالظاهر أنه دعا في غياب النبي – صلى الله عليه وسلم- ولماذا يقول في دعائه يا محمد؟. أرجو الإجابة على أساس أن الحديث صحيح، فلا يكفي لمقارعة الصوفيين أن نقول إن الحديث ضعيف، لا سيما وقد صححه كثير من كبار العلماء مثل ابن تيمية.
والقصة الثانية: تتعلق بما ذكره ابن كثير في تفسيره للآية 64 من سورة النساء، حيث ذكر أن أعرابياً جاء إلى قبر النبي –صلى الله عليه وسلم- وألقى بعض أبيات الشعر بطلب المغفرة من النبي- صلى الله عليه وسلم-، أليس هذا نوعاً من الشرك؟ لماذا أورد ابن كثير هذه القصة الفظيعة في تفسيره؟ وقد ذكر نفس القصة عند الحديث عن زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم- في الفقه كثير من العلماء مثل ابن قدامة والنووي في الأذكار. فلماذا يورد العلماء مثل هذه القصة الفظيعة ويسكتون عنها؟.

الجواب

أولا: لا يتجه العبد بالدعاء إلا إلى الله؛ لأنه لا يقدر على الإجابة إلا هو سبحانه، وليس أهلا للإجابة إلا هو، فليس ذلك من اختصاص أي مخلوق لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، فالله هو الذي يدعى وحده، وهو القادر على الإجابة وحده وله الأمر كله؛: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون" [النمل:62]، فلا يدعى إلا هو سبحانه لا غائب ولا حاضر ولا حي، ولا ميت،ولذلك أمر العباد بدعائه وحده، كما في قوله سبحانه: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" [غافر:60]، وما أمرنا بدعاء غيره، وقال سبحانه: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" [الأعراف:180]، وقال تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان" [البقرة:186].
ثانياً: أما الحديث الذي ذكرته فما علمت ولا وجدت في كتب السنة التي بين يدي حديثاً بهذا اللفظ ولا بمعناه لا صحيحاً ولا ضعيفاً، ولا بد من إعادة النظر في نسبته إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- ونسبة قبوله إلى العلماء ابن تيمية أو غيره، أما إن كان المقصود الحديث الذي رواه الترمذي (3578) وصححه أن النبي – صلى الله عليه وسلم- علم رجلاً أن يقول:"اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا نبي الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم شفعه في" فهو دعاء المسلم ربه متوسلاً به – صلى الله عليه وسلم- في حياته وحضوره، لا دعاؤه في مماته ومغيبه.
ثالثاً: مقارعة أهل البدع لا تكون بالرأي المجرد والمناظرات البعيدة عن النص، خاصة من ينتسب إلى الإسلام ويقر بالقرآن والسنة فإنه يجب أن تكون الأدلة منهما في مقدمة الجواب على كل بدعة؛ لأنه لا علم لأحد بالحق إلا بالكتاب والسنة، لذلك بعث الله الرسول – صلى الله عليه وسلم- وأنزل عليه القرآن – وإلا لا عبرة لأحد ولا لقوله بغير ذلك.
ثم كيف يستدل المبتدع أو المخالف بنصوص ينسبها إلى الشرع ثم يقول أنا أريد الجواب من غير ذلك، هذا تناقض يدل على الجهل وفساد المعتقد والله الهادي إلى سواء السبيل.
أما القصة الثانية وهي: قوله "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم" [النساء:64] يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم- فيستغفرون الله عنده، ويسألوه أن يغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال:"لوجدوا الله تواباً رحيماً" [النساء:64]، وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي، قال كنت جالساً عند قبر النبي – صلى الله عليه وسلم- فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول:"ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر الله لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً"، وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
فطاب من طيبهن القاع والأكم *** يا خير من دفنت بالقاع أعظمه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم *** نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيناي فرأيت النبي – صلى الله عليه وسلم- في النوم فقال: "يا عتبى الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له"، فلا نوافق ما تدل عليه من دعاء الميت والاستشفاع به بعد موته وفي غيابه، ولا ما تضمنته الرؤيا من أن الله غفر له بهذه الأبيات، وندعو الله أن يعفو عنا وعن ابن كثير – رحمه الله- وغيره ممن ذكرها، وليس لنا محاسبة هؤلاء الفضلاء الذين يجتهدون في ترغيب الناس في الإقبال على الله والتزام شرعه، وإن أخطأوا في اتخاذ الوسيلة الموصلة إلى ذلك، بل نأخذ ما وافق الشرع وندع ما خالفه، وقد أشار ابن كثير – رحمه الله- إلى أنها حكاية من الحكايات المنامية، ولم يبن عليها حكماً في التوسل أو الدعاء والله الهادي إلى سواء السبيل.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ