إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل يقام الحدُّ على الحاكم
المجيب
أ.د. سليمان بن فهد العيسى
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ السبت 26 شوال 1424 الموافق 20 ديسمبر 2003
السؤال

قرأت كتابا في الفقه الحنفي اسمه "الهداية"، وفي صفحة 545 يذكر صاحب الكتاب العبارة التالية:
"إذا وقع الملك أو الخليفة المسلم في الزنا أو جريمة أو ذنب يشبه ذلك فلن يكون حد عليه"
فهل هناك فرق بين الحاكم والمحكوم في إيقاع العقوبة وفق الشريعة المطهرة؟ صديق لي يقول: إذا كان الحاكم هو من يقيم الحدود على الناس، فمن يقيم الحد عليه هو؟ فهو الوحيد الذي يقيم الحدود.
فهل صحيح أن الحاكم لا يقام عليه حد الزنا كما ذكر الكتاب المبين أعلاه؟
إذا كان الجواب أن الحدود تقام على الحكام أرجو تقديم مثال واحد على ذلك من التاريخ الإسلامي.
وما هي مصداقية الأحكام الواردة في هذه الكتب؟ هل تعتبر أحكاماً إسلامية؟ نرجو بيان قيمة هذه الأحكام.

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالأصل في الحدود أن تقام على كل أحد شريفاً كان أو وضيعاً، وقد قال –صلى الله عليه وسلم-:"وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لقطعت يدها" انظر: البخاري (3475) ومسلم (1688)، وقد جاء في صحيح مسلم أن عثمان –رضي الله عنه- أمر بجلد الوليد لما ثبت لديه أنه شرب الخمر الحديث رقم (1707)، وجاء في الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (6/482) ما نصه:"وكان الوليد شجاعاً شاعراً جواداً، قال معصب بن الزبيري: وكان من رجال قريش وسراتهم، وقصة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة مخرجة، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين، وعزله عثمان بعد جلده عن الكوفة. انتهى.
هذا وما ذكره السائل عن بعض الحنفية من عدم إقامة الحد على الإمام الأعظم صحيح، فقد جاء في نصب الراية مع الهداية (3/524) ما نصه:(وكل شيء صنعه الإمام الذي ليس فوقه إمام فلا حد عليه إلا القصاص فإنه يؤخذ به وبالأموال؛ لأن الحدود حق لله تعالى وإقامتها إليه لا إلى غيره، ولا يمكنه أن يقيم على نفسه لأنه لا يفيد، بخلاف حقوق العباد لأنه يستوفيه ولي الحق، إما بتمكينه أو بالاستعانة بمنعة المسلمين، والقصاص والأموال منها، وأما حد القذف قالوا المغلب فيه حق الشرع، فحكمه حكم سائر الحدود التي هي حق لله تعالى). انتهى وجاء في حاشية الروض المربع لابن قاسم (7/302) ما نصه:(وفي الدرر للحنفية أن الخليفة لا يُحد ولو لقذف، لأن الحد له وإقامته إليه دون غيره ولا يمكنه على نفسه، ويقتص منه ويؤخذ بالمال لأنهما من حقوق العباد). انتهى.
قلت وقصة الوليد لا تعارض ما تقدم من كلام الحنفية، لأن عدم إقامة الحد على الحاكم إنما تختص بالإمام الذي ليس فوقه إمام، ومعلوم أن الوليد أمير تحت ولاية عثمان رضي الله عنه، فالإمام الأعظم هو عثمان رضي الله عنه.
هذا ولم أقف على قول لبقية فقهاء المذاهب الأخرى حول إقامة الحد على الحاكم أو عدم إقامته، وفي نظري أن ما ذكره الحنفية من التعليل لعدم إقامة الحد على الحاكم الأعلى وجيه له حقه من النظر، لكنني متوقف عن القول به أو بخلافه. أما القصاص والحقوق المالية فمحل اتفاق بين الأئمة على أن الإمام يؤخذ به ويقتص منه صاحب الحق، وقد أقاد النبي –صلى الله عليه وسلم- سواد بن غزية من نفسه حينما كان صلى الله عليه وسلم يقوم في غزوة بدر بتعديل الصفوف، وكان سواد متنصلاً من الصف فعدله الرسول –صلى الله عليه وسلم- فقال سواد: أوجعتني يا رسول الله فأقدني، فكشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: استقد، فاعتنقه سواد وقبّل بطنه. رواه عبد الرزاق (18039) (9/467) بإسناد حسن لكنه مرسل.
هذا وما ذكره السائل عن مصداقية الأحكام الواردة في هذه الكتب نقول: الكتاب المشار إليه من كتب الحنفية المعتبرة، وله قيمته العلمية بين العلماء، لكن هذا لا يعني الأخذ بكل ما جاء به أو بغيره من كتب علماء الإسلام، بل الجميع يعرض على الكتاب والسنة، فما وافقهما عمل به، وما خالف ذلك تُرك والتمس لصاحبه العذر، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ