إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان إطلاق وصف (الأُخُوَّة) على الكفار
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاربعاء 23 ذو الحجة 1428 الموافق 02 يناير 2008
السؤال

صرَّح إمام مسجدنا لإحدى الصحف بقوله "نحن نؤمن أن كلنا أبناء الله". تعالى الله عما قال، ذهبت أنا وأخ للإمام ظانين أن المحرر كتب ما لم يقل، ولكن فوجئنا أنه قالها مستدلاً بحديث: "الخلق عيال الله". ما صحة هذا الحديث؟ وما حكم التفوه بهذا القول؟
فحديثو العهد بالإسلام والراغبون بالتعرف على الإسلام سوف يأخذون عقيدة خاطئة بمجرد هذا اللفظ، وذكرنا له قوله تعالى في سورة المائدة (آية 18) فكان الرد أن أبناءه لا تعني أبناءه معتمداً على تفسير الطبري، وكذلك أبدى عدم قبوله بالتراجع عن هذا القول "نحن نؤمن أن كلنا أبناء الله".
أيضاً سمى اليهود والنصارى إخوة، فهل يجوز ذلك مستدلاً بنية أنهم إخوة في الإنسانية؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فجواباً عن سؤال الأخ الذي ذكر أن أحد الناس يقول: نحن نؤمن أننا كُلّنا أبناء الله، محتجاً بحديث: "الخلق عيال الله" ويسأل أيضاً عن قول القائل عن اليهود والنصارى: إنهم إخوة للمسلمين، يعني ما سمّاه بأخوّة الإنسانية.
أقول، وبالله التوفيق:
أما العبارة المذكورة: "نحن نؤمن أننا كلنا أبناء الله" فهي عبارة في اللغة العربية باطلة لفظاً ومعنى، فلفظُها لفظٌ شنيع، يوهم معنى هو أبطل الباطل، ومعناها (بأيّ توجيه) لا يصح في لغتنا، بل هي دعوى كاذبة في لغتنا العربيّة.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "لتتبعنّ سنن من كان قبلكم: شبراً شبراً، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم" (أخرجه البخاري (3456)، ومسلم (2669)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه). فهذه المقالة هي مقالة اليهود والنصارى التي كذَّبهم الله تعالى عليها، وردَّ عليهم لهذه الدعوى الباطلة منهم، فقال تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" [المائدة:18]. قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: "قال تعالى رادّاً على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه) أي نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبّنا" (تفسير ابن كثير (2/529) وفسَّرَ جمعٌ من السلف وأهل العلم قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً" [النساء:49-50] أن هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى لـمّا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فردَّ الله تعالى عليهم هذا الثناء منهم لأنفسهم، ثم وصف هذه المقالة منهم بأنها افتراء للكذب على الله، وأنه كفى بمثل هذه الكذب إثماً واضحاً عظيماً.
وأما الحديث الذي احتج به صاحب تلك المقالة، وهو حديث: "الخلق عيال الله..."، فهو حديث شديد الضعف، كما بين ذلك ابن عدي في الكامل (5/162) (6/341-342) (7/153-154)، وابن حبان في المجروحين (2/238)، والنووي في فتاواه (251) رقم (10)، والهيثمي في مجمع الزوائد ( 8/191) والألباني في السلسلة الضعيفة رقم (1900).
على أن لفظ هذا الحديث (أيضاً) يختلف عن العبارة التي ذكرها ذلك القائل؛ لأن العيال في اللغة مأخوذةٌ من الإعالة، بمعنى القيام بالكفاية وبالمؤونة والرعاية. فمعنى: "الخلق عيال الله": أي إن الله تعالى هو الذي يقوم بأرزاقهم وما يُصلح شأنهم. هذا هو معناها اللغوي، دون تأويل. وإن كان هذا المعنى قد يخفى على كثير من أهل العصر الحديث؛ لغلبة استعمال لفظ العيال بمعنى الأبناء في عُرف الناس اليوم.
فإطلاق لفظ الأبناء على من تعولهم إطلاقٌ مجازي مشتبهٌ، لا يصح التلفُّظُ به، خاصة عند النصارى الذين لا تصوُّرَ صحيحًا لديهم عن المعتقد السليم، بل إنهم يعتقدون بنوّةَ عيسى (عليه السلام) لله (سبحانه وتعالى عن ذلك).
إلا إن كان استعمالُ لفظِ البنوّةِ بالمعنى المجازي استعمالاً شائعًا في ذلك البلد وفي لغة أهله، ولا يُسبِّبُ لهم استعمالُهم له بذلك المعنى التباسًا، ولا يُوهِـمُهم معنى باطلًا، بأن لا يدل لفظُه عندهم على استحقاقهم النجاةَ من عذاب الله بتلك البنوّة المجازية = فعندها لا يكون للقول بالتحريم وجهٌ واضح، كما لا أقول بالإباحة المطلقة أيضًا، لكني أكتفي بالكراهة، وأقف دون الجزم بالتحريم؛ لأن مفاسد هذا الاستعمال ضَعُفت أو زالتْ في ذلك البلد بحسب عُرفه ولُغته، ويبقى أن استخدام لفظ آخر غير لفظ البنوّة ليكون أبعد عن الاشتباه والاختلاف أولى وأحق.
هذا إن كان لذلك اللفظ ذلك المعنى العُرفي، وإلا فإنه لا يجوز.
وأمّا إطلاق القائل على اليهود والنصارى بأنهم إخوة لنا في الإنسانية، فهي عبارةٌ تحتاج إلى تفصيل:
فأولا: جاءت نصوصٌ متكاثرة في الكتاب والسنة تؤكّد على أصل عظيم من أصول الدين، وهو الولاء بين المسلمين والبراء من الكفار. كقوله تعالى: "لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [المجادلة:22]، وقوله تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [المائدة:51].
ثانيًا: أن الله تعالى عزّزَ من صلة الدين، وجعلها هي الأخوة الحقّة الباقية، ولو اختلفت الأنساب وتباعدت. كما في قوله تعالى: "فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" [التوبة:١١]، وقوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الحجرات:١٠]، وقوله تعالى: "ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً" [الأحزاب:٥].
ثالثًا: وجاءت نصوصٌ كثيرة تبين أن أخوة النسب أو البنوّة أو الأبوة وغيرها من الصلات في النسب القريب، أنها جميعًا لا يجوز أن يُنسى معها اختلافُ الدين؛ فهو اختلافٌ كبير يغلب كلَّ صلةٍ للقرابة (ولا يلغيها) كما في قوله: "وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" [لقمان:15]. فلا يمكن أن تكون أخوة النسب مساويةً لأخوة الدين، في حالة اتفاق الدين، فكيف بها مع اختلافه، فضلا عن أن تُقدَّم عليه. كما في آية المجادلة السابق ذكرها "لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ" [المجادلة:22]، وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانَ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [التوبة:23-24].
بل عندما ظن نوحٌ (عليه السلام) أن أبوّته لابنه الكافر قد تنفعه، ردّ الله تعالى عليه هذا الظن، بأقوى ردّ؛ حيث نفى صلته به من كل وجه ينفعه به في النجاة من عذاب الله تعالى، كما في قوله تعالى: "وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ" [هود:٤٥–٤٦].
ولا يعني ذلك أن استخدام لفظ الأخوة أو الأبوة أو البنوة لمن كان كافرًا من الإخوة أو الآباء أو الأبناء غيرُ جائز، فقد خاطب إبراهيم أباه الكافر بلفظ الأبوة، فلم يمنعه كفر أبيه من أن يناديه بها، كما في قوله تعالى: "إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً" [مريم:٤٢–٤٥]. وإنما تعني قصة نوح مع ابنه، أن القرابة مع الكفر لا تغني من الله شيئًا.
رابعًا: مع ذلك فقد جاء إطلاق لفظ الأخوة على النسب البعيد، مع اختلاف الدين، كما في قوله عز وجلّ تعالى: "وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً" [الأعراف:٦٥]، وقوله تعالى: "وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً" [الأعراف:٧٣]، وقوله تعالى: "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً" [الأعراف:٨٥]، وقوله: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً" [النمل:٤٥]، وقوله سبحانه: "وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ" [الأحقاف:٢١].
بل جاء إطلاق الأخوة مع عدم وجود نسبٍ بعيد، ومع اختلاف الدين، كما في قوله تعالى: "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ [ق:١٢–13]، وكما في قوله تعالى: "إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ" [الشعراء:١٦١]. ومن المعلوم أن لوطًا ابنُ أخي إبراهيم (عليهما السلام)، وليسا ينتسبان إلى الكنعانيين من سُكّان سَدُوم قُرى قومِ لوط (عليه السلام). فهو إطلاقٌ: إما أُرِيدَ به الأخوة البعيدة جدًّا، وهي الأخوة الإنسانية والآدمية. ويكون وَجْهُ ذِكْرِ هذه الأخوة هنا التذكيرَ بكون لوطٍ بشرًا مثلهم، وأنه لذلك محلٌّ للقُدوة به، وليس مَلَكًا ولا من غير جنسهم؛ على غرار قوله تعالى: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ" [الأنعام:٩]، وقوله تعالى: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ" [التوبة:١٢٨].
وإما أُرِيد بالأخوة الملازمة للشيء، لكون لوطٍ (عليه السلام) كان ملازمًا قومَه بالدعوة والإنذار والإعذار. واستعمال الأخوة على الملازمة استعمالٌ عربي فصيح، كما قال امرؤ القيس:
عشيةَ جاوَزْنا حماةَ وسَيْرُنا *** أخو الجَهْدِ لا نلوي على مَن تعذّرا
وقال تأبّط شرًّا:
فقلتُ لها: كلانا نِضْوُ أَيْنٍ *** أخو سفرٍ، فَخَلِّـي لي مكاني
ففي هذه الآيات أُطلقت الأخوة مع اختلاف الدين بثلاثة توجيهات:
- الأخوة البعيدة إلى جدِّ القبيلة الذي تنتسب إليه وتجتمع فيه.
- والأخوة البعيدة جدًّا، إلى آدم (عليه السلام)، فهي الأخوة الإنسانية.
- أو بمعنى الملازمة للقوم، مع اختلاف الدين؛ فتنطبق على من يعيش بين ظهراني الكفار، كلوط (عليه السلام) وقومه. وعلى أهل الأرض جميعًا؛ لأنهم قد جمعتهم هذه القرية الكبيرة، وخاصة في زمننا هذا.
وهذا يعني أن إطلاق لفظ الأخوة للكافر، ولو لم يجمعك به نسبٌ قريب أو بعيد، على معنى الأخوّة الإنسانية والآدميّة = إطلاقٌ له سياقٌ مقبول، ويكون فيه جائزًا. لكن لا يمكن أن يكون إطلاقُ هذا التعبيرِ مقبولاً في سياق إذابة الفوارق بين المؤمن والكافر؛ لأنه سيصطدم بمعتقد الولاء والبراء القطعي اليقيني، وسيناقض ما سبق من نصوصٍ عن الأخوةِ الدينية، وأنها مقدمةٌ على أخوّة النَّسَبِ مع اختلاف الدين.
إذن: فمع حياطة معتقد الولاء والبراء من التفتُّتِ والذَّوَبان، ومع حماية الأخوة الدينية من الضعف والتهافت، يمكن في مجال الدعوة والتلطّف مع الكفار أن نطلق لفظ الأخوة عليهم، بمعنى الأخوة الإنسانية. كما أطلقها الله تعالى في سياق بيان منّته على الأقوام الذين بعث فيهم رُسُلاً منهم، ممن يعرفونه بالنسب وكريم الطباع والصفات التي تدعو لقبول دعوته، ولا يأنفون من متابعته؛ لأنه منهم، وليس أجنبيًّا عنهم. أو ممن هو من جنسهم البشري، فلا يدّعون أنه لا يصلح للاقتداء به.
وعلى الذي يستخدم لفظ الأخوة لغير المسلمين لغرضٍ صحيح (كالدعوة) أن لا ينسى في خضمّ ذلك أخوته الدينيةَ العميقةَ الأواصرِ، وأن لا يسمح لنفسه ولا لمن يسمعه ويقتدي به من المسلمين أن تَـخْفُتَ جَذْوَةُ الولاء والبراء في نفوسهم. بل لا بد من كثرة التنبيه على هذه الأصول العظمى، مع الفهم الصحيح الـمُشْرِقِ لها، الذي لا يتضمّن ظُلمًا ولا اعتداءً على غير المسلمين، بل الذي يُظهر عدالةَ معتقد الولاء والبراء عندنا، وحِكْمَتَه في حِفْظِ سِياج العقيدة.
والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ