إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الدعاء بالمحو والكتابة
المجيب
د. محمد بن إبراهيم الحمد
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 09 محرم 1425 الموافق 29 فبراير 2004
السؤال

ورد عن عمر -رضي الله عنه- هذا الدعاء:"اللهم، إن كنت كتبتني عندك من الأشقياء، فأسألك بقدرتك أن تمحو ذلك، وتكتبني من السعداء"، اعتقاد أهل السنة (1206-1207)، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (8/540)، وابن القيم في شفاء العليل (1/90)، فهل يجوز مثل هذا الدعاء أن يطلب من الله المحو والكتابة؟.

الجواب

أن القدر قدران:
أحدهما: القدر المثبت، أو المطلق، أو المبرم: وهو ما في أم الكتاب – اللوح المحفوظ- فهذا ثابت لا يتغير، ولا يتبدل.
وثانيهما: القدر المعلق، أو المقيد: وهو ما في كتب الملائكة؛ فهذا هو الذي يقع فيه المحو والإثبات، والزيادة، والنقص.
وهذا معنى قوله –تعالى-: "يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ"[الرعد:39]، ومن هذا الباب – أعني الثاني- قول عمر – رضي الله عنه-: "اللهم، إن كنت كتبتني شقياً فامحني، واكتبني سعيداً؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت".
ومن هذا الباب قوله – تعالى- عن نوح – عليه السلام-: "أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً"[نوح: 3-4]، وكذلك عُمْرُ داود – عليه السلام- زاد ستين سنة، فجعله الله مائة بعد أن كان أربعين، وشواهد ذلك كثيرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-: (والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله، وأجل مقيد، وبهذا يتبيَّن معنى قوله – صلى الله عليه وسلم-: "من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره – فليصل رحمه" رواه البخاري(2067)، ومسلم(2557)، عن أنس –رضي الله عنه-.
فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلاً، وقال: (إن وصل رحمه زدته كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء الأجل لا يتقدم ولا يتأخر) مجموع الفتاوى(8/517) وقال في موطن آخر عندما سئل عن الرزق هل يزيد وينقص؟! الرزق نوعان أحدهما ما علمه الله أن يرزقه فهذا لا يتغير، والثاني ما كتبه وأعلم به الملائكة هذا يزيد وينقص بحسب الأسباب. مجموع الفتاوى(8/517) قال ابن حجر- رحمه الله -: (كأن يقال للمَلَكِ مثلاً – إن عُمْرَ فلان مائة عامٍ- مثلاً- إن وصل رحمه، وستون إن قطعها، وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله: "يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ"[الرعد:39]،فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك.
(وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله – تعالى- فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعلق) فتح الباري(10/430).
ثم إن الأسباب التي يحصل بها الرزق هي من جملة ما قدره الله وكتبه، فإذا كان قد تقدم، بأن يرزق العبد بسعيه، واكتسابه ألهمه السعي، والاكتساب، وذلك الذي قدره له بالاكتساب لا يحصل بدون الاكتساب، وما قدره له بغير اكتساب، كموت مورثه يأتيه بغير اكتساب.
فلا مخالفة في ذلك لسبق العلم، بل فيه تقييد المسببات بأسبابها، كما قدر الشبع والروي، بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول عاقل بأن ربط هذه المسببات بأسبابها يقتضي علم خلاف العلم السابق، أو ينافيه بوجه من الوجوه.
وبهذا يتبين صحة دعاء عمر – رضي الله عنه-، وإذا أردت مزيد بيان لهذه المسألة فارجع إلى تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة(ص89)، وإلى شرح صحيح مسلم للنووي
(16/114)، وإلى مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (8/540-541)، وعلى إفادة الخبر بنصه في زيادة العمر، ونقصه للسيوطي، وإلى تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل للشوكاني، وإلى أقوال المفسرين في قوله – تعالى-: "يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ"[الرعد:39].


إرسال إلى صديق طباعة حفظ