إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان البنوك الربوية ودعوى التورق الإسلامي
المجيب
د. سامي بن إبراهيم السويلم
باحث في الاقتصاد الإسلامي
التاريخ الاربعاء 09 ربيع الأول 1425 الموافق 28 إبريل 2004
السؤال

ذهبت إلى أحد البنوك للحصول على قرض، وطلبت منهم أن يكون إسلامياً, فأروني أختاماً عديدة من كبار العلماء (بعضهم من هيئة كبار العلماء) بجواز قرضهم, فحصلت على القرض اعتمادا على ذلك، الآن أنا غير مرتاح، وتناوبني وساوس كثيرة لما لم أتأكد من القرض بنفسي؟ فهل يجب علي بعد هذا أن أتأكد بنفسي رغم قلة علمي؟ أم أتوكل على الله وآخذ بكلام البنك وأختام العلماء؟ بعض الناس يقولون إن البنوك لا تطبق الفتوى كما هي.

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
أولاً: لقد صدق الأخ السائل حين وصف هذه المعاملة بأنها "قرض"، لأن حقيقتها أن يحصل من المصرف على نقود حاضرة على أن يدفع له نقوداً مؤجلة، وهذه حقيقة القرض. وأصاب في شكه وارتيابه من هذه المعاملة، لأنه يدفع نقوداً أكثر من التي قبضها أول الأمر، وهذا هو الربا. وكل ذي فطرة سليمة ينفر من هذه المعاملة، أياً كان اسمها ومهما ألبست من لبوس تستر حقيقتها. وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: "البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك" صحيح أخرجه الإمام أحمد (17742 – 18001) من حديث وابصة الأسدي – رضي الله عنه-.
ثانياً: إن هذه المعاملة تعرف باسم "التورق المصرفي." وقد عقد بشأنها ندوات ومؤتمرات، آخرها مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة هذا العام (1424هـ)، حيث صدر قرار المجمع بتحريم هذه المعاملة ومنعها. فهي لا تعدو أن تكون حيلة على الربا، لأن حصيلتها وغايتها أن يقبض العميل نقوداً حاضرة من المصرف ليرد له في المقابل نقوداً مؤجلة أكثر منها، وهذا هو الربا المحرم بالنص والإجماع.
ولا يغير من حقيقة المعاملة وجود سلع غير مقصودة لا للبائع ولا للمشتري وإنما هي ذريعة لحصول النقد مقابل زيادة في الذمة، فالعبرة بالحقائق والمعاني لا بالصور والمباني. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الحيل بقوله: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل." رواه العكبري بإسناد حسن انظر إرواء الغليل (1535).
ثالثاً: إن قول بعض الفقهاء المعاصرين بجواز هذه المعاملة اجتهاد منهم، وهم في ذلك مأجورون إن شاء الله، لكن ذلك لا يغير من حقيقة المعاملة شيئاً، وما كل مجتهد مصيب. فها هو الإمام الشافعي رحمه الله، الذي أطبقت الأمة على إمامته وعلمه وورعه، يرى جواز المعاملة التي تسمى العينة الثنائية، ولم يكن ذلك مانعاً لغيره من العلماء أن يقولوا بخلاف قوله ويمنعوا العينة الثنائية؛ لأنها حيلة على الربا. وهكذا القول في التورق المصرفي الذي لا يختلف في حقيقته عن العينة ولا يعدو أن يكون حيلة على الربا.
رابعاً: إذا كان الأخ السائل قد أخذ القرض بناء على الفتوى الصادرة بشأنه، فالأظهر أن عليه الوفاء بما ترتب عليه من التزام حتى لو تبين له حرمة هذه المعاملة لاحقاً؛ لأنه كان عند إنشائها يعتقد صحتها. لكن إن استطاع التعجيل بالوفاء وإقناع المصرف بإسقاط الزيادة لقاء التعجيل فيجب أن يبادر لذلك إن أمكن. كما يجب عليه من الآن فصاعداً أن يتجنب المعاملات المشبوهة وأن يتحرى لدينه أعظم مما يتحرى لدنياه، والله تعالى يقول: "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب" [الطلاق:2 ، 3]. والله الهادي إلى سواء السبيل.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ