إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان شبهة حول التسري
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاثنين 18 ذو الحجة 1424 الموافق 09 فبراير 2004
السؤال

السلام عليكم.
أنا في حيرة بشأن الحديث:(2542) في صحيح البخاري: عن ابن محيريز قال: رأيت أبا سعيد – رضي الله عنه- وسألته فقال: خرجنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في غزوة بني المصطلق وأسرنا منهم بعض العرب، وقد اشتهينا النساء وكان طول تغيبنا قد أثر فينا وأردنا أن نعزل، فسألنا النبي – صلى الله عليه وسلم- فقال: ليس هناك حاجة لذلك فما من نفس أراد الله خلقها إلى يوم القيامة إلا وستخلق.
وفي حديث آخر أنهم أسروا بعض النساء وأرادوا اللقاء بهن بدون أن يحملن منهم، فسألوا النبي – صلى الله عليه وسلم- عن العزل فقال: لا حاجة لذلك فالله قدر من سيخلق إلى يوم القيامة.
وسؤالي عن جواز الجماع مع زوجات الغير، هل يجوز في الإسلام أن يجامع المسلم زوجة رجل آخر بعد أسرها؟ نحن لا نحب أن يحدث ذلك لنا، فكيف نحب أن يقع لغيرنا؟.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين. أما بعد:
أقول وبالله التوفيق: لا يخفى على مسلم أن نكاح الحرة المتزوجة بآخر حرام قطعاً، وهو الزنا الذي هو من أكبر الكبائر. وقد قال تعالى في ذكر المحرمات في النكاح: "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم" [النساء: 24].
لكن جاء في هذه الآية استثناء السبايا من المتزوجات، فيكون المعنى: إن ذوات الأزواج محرمات، إلا ما ملكت اليمين بالسبي في الحرب أو بالشراء، فإنهن مباح نكاحهن، ولو كن ذوات أزواج، بشرط أن لا يكون زوجها معها. أما إذا كان زوجها مسبياً معا، فهي زوجة له،ما داما تحت ملك رجل واحد، أما إذا بيع أحد الزوجين، فقد انفسخ نكاحهما بهذا البيع، وجاز نكاح المسبية بعد استبرائها.
هذه خلاصة حكم المسبية من النساء، على خلاف في بعض مسائلها بين الفقهاء.
إذاً فالحديث الذي في البخاري (2542)، ومسلم(1438) عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- الذي سأل عنه السائل في السبايا خاصة، لا في مطلق نساء غير المسلمين. والسبي لا يكون إلا للمحاربين ومن معهم في دار الحرب من النساء والأطفال، أما غير المحاربين من غير المسلمين، فلا سبي عليهم.
وبهذا تعلم أن هذا السبي خاص بمن حارب المسملين وبمن كان معه من النساء والأطفال. ولا شك أن من سعى في قتلك ومحاربتك، فقد سعى في الاعتداء عليك بأكثر من سجنك له فيما لو قدرت عليه، ولو كان حكماً بالسجن المؤبد. كيف والسباء أقل ضرراً وأهون على النفس في منع الحرية من السجن، خاصة في الإسلام، الذي له في أحكام الرقيق ما لا يعرفه الغرب أو الشرق من غير المسلمين، ولا أظنهم يتصورونه من إيجاب حسن المعاملة للرقيق، والرفق بهم، وأن يطعموا مما نطعم، وأن يكسوا مما نكتسي، وأن لا يكلفوا من الأعمال إلا ما يطيقون. مع حث الله –تعالى- ورسوله – صلى الله عليه وسلم- على العتق، وإيجابه في أحوال، وترتيب عظيم الأجر عليه.
وخطأ الغرب لما حارب الرق، أنه ظن أن أحكام الرقيق عند المسلمين مثل أحكامه عندهم، وهذا بعيد كل البعد عن الحق والواقع. مع أن كثيراً من دول الغرب (أو بعضها) تحرم استعباد الأفراد، ثم هي تستعبد شعوباً بأكملها: باحتلال أوطانها (بغزو عسكري صريح، أو بوضع حكومات تنفذ رغباتها)، وباستنزاف ثروات بلادها، وبتعمد منع الشعوب من كل ما قد يرتقي بها إلى مصاف الدول المتقدمة حضارياً في مجال العلوم الكونية والصناعة، لكي تبقى سوقاً لبضائعها. إن هذه الصور من الاستعباد للشعوب، لم يزل الغرب يمارسها بأبشع صورة في بلاد المسلمين.
وهنا أذكِّر السائل أن الحديث الذي ذكره، والخبر الذي ورد فيه، كان في زمن السبي والاسترقاق فيه قانون معمول به لدى جميع الشعوب على مختلف الديانات. فالسبي جائز لا عند المسلمين وحدهم، بل هو جائز عند اليهود والنصارى أيضاً، فقد امتلأ الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى بذكر سبي أنبياء بني إسرائيل لأعدائهم، بل فيه تسخير شعوب بأكملها، كما في سفر الملوك الأول(9/15-23).
وعلى هذا فقول السائل: نحن لا نحب أن يحدث ذلك لنا، فكيف نحب أن يقع لغيرنا؟! سؤال في غير محله؛ لأن الذي وقع في ذلك الحديث وقع مع قوم كانوا يسبون النساء وينكحوهن بذلك ولو قدروا- وقد قدروا مرات أخرى – على نساء المسلمين بالسبي، وبغير السبي، لاعتدوا عليهن. فلو لم يكن في نكاح نسائهم إلا المعاملة بالمثل، لكفى بذلك جواباً على السؤال الذي طرحه الأخ السائل.
وأنا أنصح الأخ السائل بنصيحتين:
الأولى: أنه ما دام مسلماً، فعليه أن يعلم أن الحكم الشرعي، ما دام أنه حكم شرعي، فهو حكم الله –تعالى-. فلا يعترض عليه، ولا يكون في القلب منه حرج؛ لأننا خلق الله –تعالى-، وهو بنا أعلم وأرحم وأحكم.. سبحانه وتعالى. قال الله –تعالى-: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" [الأحزاب: 36].
وعليه أن يستحضر في علمه وقلبه أدلة صدق نبوة خاتم الأنبياء محمد -صلى الله عليه وسلم-، فما دام أنه -صلى الله عليه وسلم- رسول الله –تعالى-، فأحكام الدين الذي بلغه للناس هي أحكام الله –تعالى-. وما دامت أحكام الله –تعالى-، فالله –تعالى- أعلم وأحكم وأعدل من أن يجري في أحكامه غير الخير كله والعدل كله.
الثانية: أنه على كل عاقل حصيف، أن يتَّسع أفق أحكامه على الأمور، ولا يسمح لبيته ومجتمعه وحضارته وتقاليده وزمنه أن يضيِّقوا عليه ذلك الأفق. فإنه لا يفعل ذلك إلا قليل العقل، مغرور ببيئته ومجتمعه وحضارته وتقاليده وزمنه، فلا يظن إلا أنها هي وحدها موازين الحسن والقبح والقبول والرد، وكأنها خالدة إلى الأبد. أَوَما درى هذا المسكين أنه قد سبقه أناس في عصور بعيدة كانوا يظنون كما يظن، فبادوا، وبادت بيئتهم وحضارتهم وتقاليدهم، واستقبح الناس بعدهم ما كانوا يستحسونه، وردُّوا ما كانوا يقبلونه. وستبيد هذه البيئة وتقاليدها وحضارتها، وسيتبدل كثير من موازينها.
فلا يحق لأحد أن يستهجن أمراً (كالسبي والرق)، دامت عليه البشرية كلها، لألوف السنين؛ لأنه أصبح من قرن واحد أو قرنين فقط أمراً مستهجناً عند بعض الشعوب التي كانت لا تعرف في الرق إلا السخرة والتعذيب والاحتقار وانعدام جميع الحقوق.
لا يحق له ذلك؛ أولاً: لأنه ضيق أُفق تفكيره وأحكامه (كما سبق)، وقد يأتي اليوم الذي تستهجن فيه الناس استهجانه هذا، كما وقع له هو مع البشرية كلها لألوف السنين الماضية. وثانياً: لأنه قاس على صورة الرق عند غير المسلمين صورته وحالته عند المسلمين، وهذا قياس غير صحيح، كما تقدم ذكره باختصار بالغ. وإلا فالفرق كبير جداً، يحتاج بيانه إلى بسط أحكام الرق في الإسلام بصورة كاملة، مع بيان أوضاع الرقيق البغيضة عند غير المسلمين. وإذا كان الأخ السائل على غير اطلاع بذلك، فعليه أن يطلع على ذلك كله. فهو – أعني الاطلاع- شفاء صدره، وريُّ ظمئه. والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ