إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان أحاديث بناء الأقصى
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاثنين 03 جمادى الأولى 1425 الموافق 21 يونيو 2004
السؤال

قرأت في موقع وزارة الأوقاف لإحدى الدول ما يلي: روى البيهقي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن أبي بن كعب – رضي الله عنه- قال: إن الله -عز وجل- أمر عبده ونبيه داود عليه السلام أن يبني له بيتاً، فقال: أي رب وأين هذا البيت؟ فقال: حيث ترى المَلَك شاهراً سيفه، فرآه على الصخرة، وإذا ما هناك يومئذ أندر لغلام من بني إسرائيل، فأتاه داود، فقال: إني أُمرت أن أبني هذا المكان بيتاً لله عز وجل فقال له الفتى: الله أمرك أن تأخذها بغير رضاي؟ قال: لا، فأوحى الله إلى داود عليه السلام إني قد جعلت في يديك خزائن الأرض فأرضه، فأتاه داود فقال: إني أُمرت برضاك ولك بها قنطار من ذهب فقال: قد قبلت يا داود، وهي خير أم القنطار؟ قال: بل هي خير، قال: فأرضني، قال: فلك بها ثلاثة قناطير، فلم يزل يشدد على داود حتى رضي منه بتسع قناطير، ونقل الطبراني في الكبير عن رافع بن عمير عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سليمان عليه السلام أخذ بعد ما مات داود عليه السلام في بنائه، فلما تم قربّ القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل، فأوحى الله إليه: قد أرى سرورك ببنيان بيني فسلني أعطك، قال: أسألك ثلاث خصال: حكماً يصادف حكمك ـ أي يوافقه ـ وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما اثنتين فأعطيها، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة.ما مدى صحة هذه الأحاديث؟ وهل إذا كانت صحيحة أنها تؤكد زعم اليهود بوجود هيكل سليمان؟ أفيدونا نظراً لأهمية الموضوع الشديدة، وجزاكم الله كل خير.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحديث الأول: أخرجه البيهقي في السنن ( 6/ 168 ) من طريق عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: " لما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يزيد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت زيادته على دار العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، فأراد عمر رضي الله عنه أن يدخلها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعوضه منها فأبى، وقال: قطيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفا فجعلا بينهما أبي بن كعب رضي الله عنهم فأتياه في منزله - وكان يسمى سيد المسلمين - فأمر لهما بوسادة، فألقيت لهما فجلسا عليها بين يديه، فذكر عمر- رضي الله عنه- ما أراد وذكر العباس –رضي الله عنه- قطيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أُبَّي: إن الله عز وجل أمر عبده ونبيه داود عليه السلام أن يبني له بيتا، قال: أي رب وأين هذا البيت ؟ قال: حيث ترى الملك شاهراً سيفه، فرآه على الصخرة، وإذا ما هناك يومئذ أنذر لغلام من بني إسرائيل فأتاه داود-عليه السلام- فقال: إني قد أمرت أن أبني هذا المكان بيتا لله عز وجل، فقال له الفتى: الله أمرك أن تأخذها مني بغير رضاي؟ قال: لا، فأوحى الله إلى داود عليه السلام أني قد جعلت في يدك خزائن الأرض، فأرضه فأتاه داود-عليه السلام-، فقال: إني قد أمرت برضاك، فلك بها قنطار من ذهب، قال: قد قبلت يا داود وهي خير أم القنطار ؟ قال: بل هي خير، قال فأرضني، قال: فلك بها ثلاث قناطير، قال: فلم يزل يشدد على داود-عليه السلام-، حتى رضي منه بتسع قناطير، قال العباس –رضي الله عنه-: اللهم لا آخذ لها ثواباً، وقد تصدقت بها على جماعة المسلمين، فقبلها عمر رضي الله عنه، فأدخلها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . "وما ذكره أُبي بن كعب رضي الله عنه هو مما يحدث به عن بني إسرائيل فهو من الأخبار الإسرائيلية، وقد جاء في روايات أخرى عن أبي بن كعب رضي الله عنه ما يدل على أن الله لم يجعل بناء هذا البيت على يد داود عليه السلام، فطلب من الله أن يكون بناؤه على يد أحد أبنائه فكان بناؤه على يد سليمان عليه السلام .
وهي كلها من الأخبار الإسرائيلية ، وقد ورد في بعض الروايات التصريح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح . ينظر: طبقات ابن سعد (4/20-22)، والدر المنثور(230- 233).
الحديث الثاني:
- أخرجه الطبراني في الكبير (4477) قال: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، ثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي ثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي الزاهرية عن رافع بن عمير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل لداود عليه السلام ابن لي بيتا في الأرض، فبنى داود بيتاً لنفسه قبل البيت الذي أمر به فأوحى الله عز وجل إليه يا داود نصبت بيتك قبل بيتي، قال: يا رب هكذا قلت فيما قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تم السور سقط ثلثاه، فشكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله عز وجل إليه أنه لا يصلح أن تبني لي بيتا، قال: أي رب ولم ؟ قال: لما جرت على يديك من الدماء، قال: أي رب أو لم يكن في هواك ومحبتك ؟ قال: بلى ولكنهم عبادي، وأنا أرحمهم، فشق ذلك عليه، فأوحى الله إليه لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان، فلما مات داود أخذ سليمان في بنائه، فلما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل فأوحى الله عز وجل إليه قد أرى سرورا ببنيان بيتي فسلني أعطك، قال: أسألك ثلاث خصال: حكما يصادف حكمك، وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما اثنتين فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة . "
وأخرجه ابن حبان في كتاب "المجروحين" (2/300)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (1/200 – 201) من طريق محمد بن أيوب بن سويد عن أبيه ثنا إبراهيم بن أبي عبلة الزاهرية عن رافع بن عمير.
وفي هذا الإسناد محمد بن أيوب الرملي وهو متهم بالوضع ، وقد حكم على الحديث بأنه موضوع ابن الجوزي والذهبي والسيوطي وغيرهم .
لكن الخصال التي سألها سليمان عليه السلام ، وردت من حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- مرفوعاً بإسناد صحيح: أنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا أَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَهُ الثَّالِثَةُ؛ فَسَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ .
- أخرجه أحمد ( 6357 ) قال: حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد الله الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما-، وفيه: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا ... الحديث وإسناد أحمد صحيح رجاله ثقات .
- وأخرجه ابن حبان(1633) والحاكم في المستدرك (1/30- 31) (2/434) من طريق الأوزاعي به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة، وقد احتج بجميع رواته ثم لم يخرجاه ولا أعلم له علة، ووافقه الذهبي .
وأخرجه النسائي (2/34) من طريق سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن ابن الديلمي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وفيه أن سليمان بن داود- عليهما السلام- لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى .... الحديث، وهذا يستدل به على أن سليمان-عليه السلام- هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبناؤه للمسجد إنما هو تجديد للبناء، فليس هو أول من بنى المسجد الأقصى بدليل حديث أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً .... " أخرجه البخاري (3366) ومسلم (520) قال ابن كثير: "ومعلوم أن بين إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام وبين سليمان بن داود عليهما السلام أزيد من ألف سنة، وأن أول من جعله مسجداً – أي المسجد الأقصى – إسرائيل" (البداية والنهاية 2/341 )، والهيكل تسمية قديمة للمكان المختار للعبادة، وهيكل سليمان: هو المعبد الذي شيده سليمان عليه السلام، وهو الاسم التاريخي القديم للمسجد الأقصى قبل أن يتحول إلى إرث الأمة الإسلامية، وقد بناه سليمان-عليه السلام- على قاعدة سداسية الشكل، ويقال: إن هذا هو أصل اتخاذ اليهود للنجمة السداسية شعاراً لهم، والمعروف تاريخيّاً أن ذلك المعبد قد دُمِّر مرتين ، المرة الأولى على يد الملك البابلي "بختنصر" عام (587 قبل الميلاد) ، والمرة الثانية عام (70 ميلادي) على يد الإمبراطور الروماني "طيطس"، حيث دمره تدميراً كاملاً، ولم يبقَ منه إلا جزء من السور في الجهة الجنوبية الغربية لساحة المعبد . وقد جاء ذكر التدميرَين (الأول والثاني) في القرآن الكريم في أول سورة الإسراء .
- وظل مكان الهيكل فضاءً خالياً من أي بناء بقية عهد الرومان النصارى ، وقد حدث الإسراء والمعراج بالنبي صلى الله عليه وسلم في عهد الحاكم الروماني هرقل عام 621م ، وكان المكان ما زال خالياً من أي بناء ، إلا أنه محاط بسور ، وهو الذي رُبط فيه (البراق) في ليلة الإسراء والمعراج، وهو نفسه السور الذي تسميه اليهود اليوم بـ (حائط المبكى) وفيه أبواب داخله ساحات واسعة هي المقصودة بالمسجد الأقصى في قوله - تعالى -: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" [الإسراء : 1]. وقد ظل المكان معروفاً مقدساً في داخله الصخرة رغم زوال الآثار.
- ثم جاء الفتح الإسلامي لبيت المقدس صلحاً في عهد عمر - رضي الله عنه - سنة 16 هـ / 637م ، ولم يكن لليهود وجود بها وقت الفتح؛ حتى إن بطريرك النصارى اشترط في عقد تسليم المدينة عدم دخول أحد من اليهود إليها، ثم طلب عمر –رضي الله عنه- من البطريرك أن يدله على مسجد داود-عليه السلام-، - يعني المسجد الأقصى- فانطلق به حتى انتهى إلى مكان الباب وقد انحدر الزبل على درج الباب، فتجشم عمر-رضي الله عنه- حتى دخل ونظر، فقال: الله أكبر، هذا والذي نفسي بيده مسجد داود-عليه السلام- الذي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسري به إليه، ثم أخذ عمر-رضي الله عنه- والمسلمون يكنسون الزبل عن الصخرة حتى ظهرت كلها .... ففي مسند الإمام أحمد بسند حسن (261) أن عمر رضي الله عنه قال لكعب –رضي الله عنه- بعد فتح بيت المقدس أين أصلي ؟، قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال: عمر –رضي الله عنه- ضاهيت اليهودية، لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى ، ثم جاء فبسط رداءه، وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس .
- وبقي المسجد الأقصى على حالته بعد الفتح الإسلامي، إلى أن جاء الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فبدأ بناء المسجد الأقصى سنة 66 هـ على صورته القائمة اليوم. وأما الصخرة فأول من بنى فوقها مسجداً في العصر الإسلامي عبد الملك بن مروان، وهو المسجد المعروف بمسجد الصخرة، والمشهور بقبته الذهبية على المبنى المثمن.
والخلاصة: أنه عند الفتح الإسلامي لبيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن للهيكل – ولا لليهود - أي وجود على أرض بيت المقدس، إلا جزء من السور كما سبق القول ، واليهود أنفسهم يعترفون أن الهيكل تم تدميره، لذلك هم يسعون الآن لبناء ما يسمى عندهم بـ (الهيكل الثالث) . وذلك مكان المسجد الأقصى، ولذلك تجري الآن أعمال الحفر على قدم وساق تحت المسجد الأقصى؛ بدعوى البحث عن أي آثار للهيكل المزعوم، وفي الحقيقة الهدف من ذلك هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل الثالث مكانه .
هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ