إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان عدل الله مع الكفار
المجيب
د. سالم بن محمد القرني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاربعاء 12 محرم 1425 الموافق 03 مارس 2004
السؤال

يسعدني أن أكتب إليكم, بعد أن ترددت كثيراً حيث أن الموضوع الذي سأطرحه على فضيلتكم أخذ الكثير من تفكيري, ولم أجد جواباً شافياً عليه.
بداية أحب أن أوضح إنني إنسان مسلم موحد بالله وأشهد بأنه لا إله إلا هو وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كما أؤمن باليوم الآخر والجنة والنار وعذاب القبر ونعيمه، ووجود الملائكة والجن والشياطين، كما أؤمن بجميع الرسل والأنبياء الذين قصهم الله علينا في الكتاب أو لم يقصصهم، وبالكتب السماوية المنزلة من عنده, وبأسماء الله الحسنى وبصفاته العلى، وكل ما ذكره سبحانه في القرآن الكريم. نعتقد نحن المسلمين بأن كل من يشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله سيدخل الجنة ولو بعد عذابه في النار حسب أعماله، كما أننا نعتقد بأن من لا يوحد الله ولا يشهد أن محمداً عبده ورسوله بعد بعثته -صلى الله عليه وسلم- لن يدخل الجنة، من أسماء الله الحسنى "العدل" وأنا لدي إيمان مطلق في عدله –سبحانه-, ومن هنا تعذر لدي فهم سبب الاعتقاد الذي أشرت إليه سابقاً، هناك من لا يوحد الله ولكنه يتصف بأخلاق عالية قد لا تراها عند كثير من المسلمين، فعلى سبيل المثال الأم المسيحية (الأم تريزا) والتي أفنت عمرها تداوى فقراء العالم وتوفيت في الهند منذ 5 سنوات مضت تقريباً، والكثير من المصلحين في الكثير من أنحاء العالم وعلى مر حقب زمنية كثيرة، فهل سيدخل الله هؤلاء النار خالدين فيها لأنهم لم يكونوا مسلمين؟ ويدخل عصاة المؤمنين الجنة ولو بعد حين؟ ألسنا نحن أكثر المسلمين, مسلمين بالوراثة, وحتى المتدينين منا هل كانوا مسلمين لو أن آباءهم لم يكونوا مسلمين؟ ألا نجد أن كل من لديه دين أو مذهب معين يؤمن بأنه هو الحق والشواذ قليل؟ قد تقول لي: إن الكافرين يمتعهم الله في دنياهم, وهذا ليس صحيحاً, حيث أن الكفار في الهند والصين وكثير من الأقطار الأخرى يعانون من فقر شديد، بل إن أثرياء المسلمين أشد نعمة من أكثر الكفرة والملحدين، قد تقول لي إنه من واجبنا نحن دعوتهم, وهذا يتعذر على الكثير منا لأسباب اللغة بالإضافة إلى أن هناك أناس مختصين في مثل هذه المواضيع وأفنوا أعمارهم في الدراسات الدينية، ثم هل يستوي الذين ينكرون وجود الخالق أصلاً؟ مع أولئك الذين يؤمنون بالله, والروح والآخرة والجنة والنار إلا أنهم يعتقدون خطأ بما دسه لهم الأشقياء أن لله ولداً. أخي الفاضل: لقد توجهت بهذا التساؤل لعدد من الشيوخ ولكني لم أجد الجواب الشافي والمقنع. هل باستطاعتك -جزاك الله خيراً- المساعدة والتوضيح؟.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب

الحمد لله وحده وبعد:
العدل معنى يتصف به الخالق –سبحانه- وليس وصفه بهذا كوصف المخلوق بالعدل؛ لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته.
وقولك إنك إنسان مسلم موحد بالله وتشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله كما تؤمن باليوم الآخر والجنة والنار وعذاب القبر ونعيمه ووجود الملائكة والجن والشياطين، وتؤمن بجميع الرسل والأنبياء والكتب المنزلة من الله وبأسماء الله الحسنى وبصفاته العلا، وكل ما ذكره سبحانه في القرآن الكريم، وقولك: نعتقد نحن المسلمين بأن كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله سيدخل الجنة- ولو بعد عذاب في النار حسب أعماله- كما أننا نعتقد بأن من لا يوحد الله ولا يشهد أن محمداً عبده ورسوله... لن يدخل الجنة.
هذا كله يدل على أنه يجب عليك أن يكون القول والعمل على هذا وينشرح الصدر به، وتزول الشكوك والأوهام وسوء الظن بالله –تعالى-، ومن ذلك نفي الظلم عن الله –تعالى- لقوله –سبحانه-: في الظلم الذي حرمه الله على نفسه ونفاه عن نفسه بقوله: "وما ظلمناهم"، وقوله: "ولا يظلم ربك أحداً" [الكهف من الآية: 49]، وقوله: "وما ربك بظلام للعبيد"[فصلت من الآية: 46]، وقوله: "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها"[النساء من الآية: 40]،وقوله: "قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا"[النساء من الآية: 77]، ونفى إرادته بقوله: "وما الله يريد ظلماً للعالمين"[آل عمران من الآية: 108]، وقوله: "وما الله يريد ظلماً للعباد"[غافر من الآية: 31]، ونفى أن يخافه الصلحاء بقوله: "ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضما"[طه من الآية: 112]،وقوله –سبحانه-: "وإنما توفون أجوركم يوم القيامة"[آل عمران من الآية: 185].
وفي الحديث القدسي: "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً" رواه مسلم(2577] من حديث أبي ذر –رضي الله عنه-، ومن حقيقة الإيمان بالله وكتبه ورسله، والإيمان بمحمد – صلى الله عليه وسلم-، وبعدل الله اليقين بأن الكافر ليس كالمسلم ولا يستحق من الثواب ما يستحق المسلم مهما كان مقصراً بل يثاب المسلم ويعاقب الكافر: "أم نجعل المتقين كالفجار"[ص من الآية: 28]، "إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم"[الانفطار: 13-14].
إن عذب الله الكفار ولم يدخلهم الجنة وأدخلهم النار فهذا هو العدل بل غاية العدل، :"لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون"[الحشر:20]، ثم أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي المسيء فقال: "فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى"[الليل: 5-10]، فتضمنت الآيتان ذكر شرعه وذكر الأعمال وجزائها وحكمة القدر في تيسير هذا لليسرى وهذا للعسرى، والعبد ميسر بأعماله لغاياتها "ولا يظلم ربك أحدا"[الكهف من الآية: 49]، وذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب أحدها إعطاء العبد وحذف مفعول الفعل إرادة للإطلاق والتعميم أي: أعطى ما أمر به وسمحت به طبيعته وطاوعته نفسه، وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والإخلاص والتوبة والشكر، وإعطاءه الإحسان والنفع بماله ولسانه وبدنه ونيته وقصده، فتكون نفسه نفساً مطيعة باذلة لا لئيمة مانعة فالنفس المطيعة هي النافعة المحسنة التي طبعها الإحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي فتعطي خيرها لنفسها ولغيرها فهي بمنزلة العين التي ينتفع الناس بشربهم منها، وسقي دوابهم وأنعامهم وزرعهم، فهم ينتفعون بها كيف شاءوا فهي ميسرة لذلك وهكذا الرجل المبارك ميسر للنفع حيث حل فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى كما كانت نفسه ميسرة للعطاء.
السبب الثاني: التقوى وهي اجتناب ما نهى الله عنه وهذا من أعظم أسباب التيسير وضده من أسباب التعسير فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرته، وتارك التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى، وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان تيسيرها عليه أتم ولو قدر أنها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا، ما هو أنفع له مما ناله بغير التقى فإن طيب العيش ونعيم القلب ولذة الروح وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا.
فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونهيه وعقابه، فإن الناس تنازعوا في معنى هذا الظلم تنازعاً صاروا فيه بين طرفين متباعدين، ووسط بينهما وخيار الأمور أوساطها وذلك بسبب البحث في القدر ومجامعته للشرع، إذ الخوض في ذلك بغير علم تام أوجب ضلال عامة الأمم، ولهذا نهى النبي – صلى الله عليه وسلم- أصحابه عن التنازع فيه.
"أولما أصابتكم مصيبةٌ قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم" [آل عمران: 165]، وهذا لأن الله محسن عدل كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل فهو محسن إلى العبد بلا سبب منه تفضلاً وإحساناً ولا يعاقبه إلا بذنبه وإن كان قد خلق الأفعال كلها لحكمة له في ذلك فإنه حكيم عادل يضع الأشياء مواضعها، "ولا يظلم ربك أحدا"[الكهف من الآية: 49]، وإذا كان غير الله يعاقب عبده على ظلمه وإن كان مقراً بأن الله خالق أفعال العباد وليس ذلك ظلماً منه فالله أولى أن لا يكون ذلك ظلماً منه وإذا كان الإنسان قد يفعل مصلحة اقتضتها حكمته لا تحصل إلا بتعذيب حيوان ولا يكون ذلك ظلماً منه فالله أولى أن لا يكون ذلك ظلماً منه.
فقد جوز منكراً لا يصلح أن يضاف إلى الله –تعالى- فإن قوله: "أفنجعل المسلمين كالمجرمين" [القلم: 35]، استفهام إنكار فعلم أن جعل هؤلاء مثل هؤلاء منكر لا يجوز أن يظن بالله أنه يفعله فلو كان هذا وضده بالنسبة إليه سواء جاز أن يفعل هذا وهذا.
وقوله: "ساء ما يحكمون" [الأنعام: 136]، دل على أن هذا حكم سيئ والحكم السيئ هو الظلم الذي لا يجوز، فعلم أن الله –تعالى- منزه عن هذا ومن قاله إنه يسوي بين المختلفين فقد نسب إليه الحكم السيئ،وكذلك تفضيل أحد المتماثلين بل التسوية بين المتماثلين والتفضيل بين المختلفين هو من العدل والحكم الحسن الذي يوصف به الرب -سبحانه وتعالى-.
والظلم وضع الشيء في غير موضعه فإذا جعل النور كالظلمة والمحسن كالمسيء والمسلم كالمجرم كان هذا ظلماً وحكماً سيئاً يقدس وينزه عنه -سبحانه وتعالى-، وقال –تعالى-: "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون" [المائدة: 50]، وعند هؤلاء لو حكم بحكم الجاهلية لكان حسناً وليس في نفس الأمر حكم حسن وحكم غير حسن بل الجميع سواء، فكيف يقال مع هذا: "ومن أحسن من الله حكماً"؟ فدل هذا النص على أن حكمه حسن لا أحسن منه والحكم الذي يخالفه،وأيضاً فقوله –تعالى-: "أفنجعل المسلمين كالمجرمين" [القلم: 35]، وقال تعالى: "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار" [ص: 28]، وقال –تعالى-: "أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون" [الجاثية: 21]، إلى غير ذلك.
فدل على أن التسوية بين هذين المختلفين من الحكم السيئ الذي ينزه عنه وأن ذلك منكر لا يجوز نسبته إلى الله –تعالى- وأن من جوز ذلك فقد جوز منكراً لا يصلح أن يضاف إلى الله –تعالى- فإن قوله: "أفنجعل المسلمين كالمجرمين" [القلم: 35]، استفهام إنكار فعلم أن جعل هؤلاء مثل هؤلاء منكراً لا يجوز أن يظن بالله أنه يفعله فلو كان هذا وضده بالنسبة إليه سواء جاز أن يفعل هذا وهذا.
وأما الأم المسيحية تقديساً لنصرانية من النصارى وهم يقدسونها وأمثالها لجهودها في التنصير وتوددها للناس حتى يتعلقوا بها فيضل بها أقوام بسبب هذا: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض"[المائدة من الآية: 51].
وقد يلقب بعض الناس من طوائفهم بالمصلح وهو من أبعد الناس عن الإصلاح، ولذلك قال الله عن الكفار: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا"[الفرقان: 23]،وقال سبحانه: "والله يعلم المفسد من المصلح"[البقرة: 220]، وقال عن المنافقين: "قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"[البقرة: 11-12]، أما المصلح حقيقة فهو من آمن بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد – صلى الله عليه وسلم- نبياً ورسولا، ودعوا الناس إلى ذلك، هؤلاء هم من قال الله فيهم: "إنا لا نضيع أجر المصلحين"[الأعراف من الآية: 170]، وأي عمل لا يكون خالصاً لله وعلى وفق الشريعة التي جاء بها الرسول – صلى الله عليه وسلم- ليس إصلاحاً مهما كان. وكيف يدخل الجنة من لا يقوم بالمهمة التي خلق من أجلها؟ "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [الذاريات: 56] أسأل الله الثبات على الحق وصلى الله على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ