إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان لم يسهموا في بناء المسجد، فهل يُمنعون من دخوله ؟
المجيب
يوسف أبرام
مدير المركز الإسلامي بزيورخ في سويسرا وعضو المجلس الأوروبي للافتاء
التاريخ السبت 06 صفر 1425 الموافق 27 مارس 2004
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد قمنا ببناء مسجد بفضل من الله في مدينتنا إحدى مدن الغرب، وذلك عن طريق القرض والحمد لله نحن ماضون في تسديد ما علينا، والمبلغ كبير جدًّا، وقد أسهم العديد من المسلمين في سداده بتبرعهم وإحسانهم، ولازالوا يسهمون، إذ إن القرض لا يمكن تسديده، من جهة أخرى فاعتمادنا كله بعد الله على إسهام المسلمين المقيمين هنا، لكن المشكلة هي: أنه توجد مجموعة من الذين يصلون في المسجد يمتنعون عن الإسهام والعطاء، فلم يشاركوا في ثمن أرضه ولا ثمن بنائه، ولا ثمن فرشه من زرابي وإنارة وغيره; وقد تفرق المسلمون في هؤلاء فئتين: فئة تدعو لطردهم ومنعهم من دخول المسجد، وفئة تقول إن المساجد لله ولا يحق لنا طرد من جاء للصلاة، مع العلم أنه كل جمعة يمر جماعة من القائمين بين صفوف المصلين يستحثونهم على العطاء ويذكرونهم الفضل، لكن لاجدوى، مع أن مستواهم المادي ليس متدنيا لكنهم يمتنعون، فما الحل حفظك الله؟ فالبعض يرى أن الأمر غير عادل إذ إنهم دفعوا من أموالهم والآخرين لم يفعلوا، ويرتادون المسجد دون التفكير في ضخامة ما تبقى من دين لم يسدد بعد.
وجزاك الله عنا كل خير.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اعلم – رحمك الله- أن ما قمتم به في مدينتكم من شراء الأرض ثم بناء المسجد وتجهيزه وإعداده للمسلمين عمل من أعظم القربات وجميل الطاعات، وقد مدح الله من بني له مسجداً، وزكى فعله ورجولته وعبادته، وحسن فعله ووعده ببركة في الرزق والنجاة من النار، قال تعالى: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" [النور:36-38].
كما وعد الصادق المصدوق – صلى الله عليه وسلم- فاعله ببناء مخصوص من رب عظيم فقال – صلى الله عليه وسلم-: "من بنى لله مسجداً بنى الله له مثله في الجنة" متفق عليه، وقال كذلك: "من بنى مسجداً يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتاً في الجنة" صحيح الترغيب(1/217).
فهنيئاً لكم بهذا الأجر والثواب، وبارك الله فيكم وفي أمثالكم.
واعلم أخي أن الله تبارك وتعالى أثنى على عُمّار المساجد الذين يأتون إليها زلفى إلى الله وابتغاء مرضاته"، "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ" [التوبة:18].
وإن من عمارة المساجد بل أهمها ما تقوم به العمارة وهو إقامتها بالمال الحلال، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً.
ومن عمارتها إحياؤها بالكتاب والسنة وإماتة البدعة، وإن من عمارتها ألا يرفع فيها إلا اسم الله سبحانه وتعالى فلا إله إلا الله تعني لا معبود بحق إلا الله، وإن من عمارتها أن يحكم فيها بالكتاب والسنة على قدر ولايتكم وسلطانكم داخل المسجد، فالحكم بما أنزل الله ليس مقصوراً على الخليفة بل في كل مرافق الحياة بما فيها الشرع المطهر الذي يسري على المساجد، وعليه فكما لا يخفى عليكم فالمسجد بيت الله ولا يُمنع من بيته أحد من الناس، وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عن حكم دخول الكافر المساجد فأجاب: "أما المسجد الحرام؛ فلا يجوز دخوله لجميع الكفرة: اليهود، والنصارى، وعباد الأوثان، والشيوعيين؛ فجميع الكفرة لا يجوز لهم دخول المسجد الحرام، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" [التوبة: من الآية28]، فمنع سبحانه من دخولهم المسجد الحرام، لا يهودي، ولا نصراني، ولا غيرهما، بل هذا خاص بالمسلمين، وأما بقية المساجد فلا بأس من دخولهم للحاجة والمصلحة، ومن ذلك المدينة، وإن كانت المدينة لها خصوصية، لكنها في هذه المسألة كغيرها من المساجد؛ لأن الرسول – صلى الله عليه وسلم- ربط فيها الكافر في مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم-، وأقرَّ وفد ثقيف حين دخلوا المسجد قبل أن يسلموا، وهكذا وفد النصارى دخلوا مسجده عليه الصلاة والسلام، فدل على أنه يجوز دخول المسجد النبوي للمشرك، وهكذا بقية المساجد من باب أولى إذا كان لحاجة، إما لسؤال، أو لحاجة أخرى، أو لسماع درس ليستفيد، أو ليسلم ويعلن إسلامه، أو ما أشبه ذلك" انتهى. فإخوانكم الذين امتنعوا عن المساعدة في مصاريف المسجد من باب أولى، بل لا يجوز لأحد أن يمنعهم من المسجد، خاصة إذا كان مجيئهم واختلاطهم بإخوانهم مدعاة حتى ينتظموا مع جماعة المسجد، فالذئب يأكل من الغنم القاصية.
وإخوانكم كذلك – إن شاء الله- من المؤمنين، والله نهى أن تكون هذه المساجد وسيلة للتفريق بين المؤمنين، فقد بنى أهل النفاق مسجداً ضراراً، وكان قصدهم هو تفريق وتمزيق شمل الجماعة، فأنزل الله فيهم حكماً رادعاً، وتم حرق مسجدهم الفاسد بأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" [التوبة: من الآية107].
وإني أدعوكم بدعوة القرآن الكريم أن تقبلوا موقفهم هذا وقلوبكم مؤمنة بأن الله - سبحانه وتعالى - سيغيرهم من حال إلى حال؛ فقد وعد سبحانه وتعالى بأن الذين يقابلون الإساءة بالحسنى يُغيّر الله لهم القبيح حسناً والبخيل كريماً والجبان شجاعاً والعنيف مسالماً، بل والكافر مؤمناً، ألم يعدنا ربنا وعداً حسناً بقوله: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" [فصلت: من الآية34]، فالكلمة الطيبة ورَدَّ السيئة بالحسنة تنتزع من الصدور كل أنواع الغل والحقد، وتجعلها مستعدة لعمل الخير وقبول الحق، لهذا السلوك - أي دفع السيئة بالحسنة والتسامح مع الآخرين عند الإساءة - مقام عظيم لا يصل إليه كل الناس، بل الصابرون، المحتسبون المتيقنون بالجزاء الأوفى من الله: "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" [فصلت:35].
وفي الأخير أخاطب الإخوة الذين امتنعوا عن المساهمة في المسجد، فأقول لهم بأن لكل غائب عذر وإني لا أعلم هل لهم عذر في عدم المساهمة أم لا، فإن لم يكن لهم عذر فإني أدعوهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا لقوله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْم وَالْعُدْوَانِ" [المائدة: من الآية2]، ولقوله – صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالحمى والسهر" متفق عليه.
وأنت في بلاد الغرب، والمؤامرات تحاك بالليل والنهار لإدماجكم وتذويبكم، والكفر والفساد محدق بكم والانحلال الخلقي والتمزق الأسري يهددكم، فاعلموا علم اليقين أن لا حافظ لكم إلا الله ولا مأوى لكم إلا مساجده، فاتقوا الله إخواني وكونوا للحق أعواناً.
والدين النصيحة، وإني أنصحكم أن تكونوا جماعة واحدة تحت إدارة واحدة، فحتى لو وُجد بعض التقصير؛ فإن ظلمة الجماعة خير من نور التفرد والتشتت، ولا تتبعوا كل دعوة تُفرِّق الشمل وتمزِّق الصف سواء كانت قومية أو عرقية أو حزبية، فأنتم عباد الله المسلمون، والمعادلة التي ينبغي أن تضعوها نصب أعينكم هي: إما التمسك بالإسلام، وإما الضلال المبين والعياذ بالله، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلكم.
لقد قلتم في رسالتكم: (لقد قمنا ببناء مسجد بفضل الله وذلك عن طريق القرض)، وما دام أنه لم توضحوا في رسالتكم الكريمة مصدر القرض فاسمحوا لي بهذا التساؤل، إن كان عن طريق مؤسسة ربوية فلا ريب أن ما تلاقون من مشاكل ليس إلا بسبب هذا، فالله يمحق الربا ويربي الصدقات؛ فعجِّلوا بالتخلص من هذا القرض والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وإن كان القرض قرضاً حسناً بدون فوائد؛ فأسأل الله أن يعينكم ويرفع ضائقتكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ