إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان بطاقات الائتمان
المجيب
د. راشد بن أحمد العليوي
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاثنين 21 شعبان 1428 الموافق 03 سبتمبر 2007
السؤال

ما حكم التعامل بما يسمى: الفيزا كارد؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
بطاقات الائتمان (فيزا كارد، وماستر كارد، وأمريكان أكسبريس، ونحوها)، وتكييفها الشرعي:
بطاقات الائتمان :
أصبح من الشائع الآن استخدام بطاقات الائتمان، والتي يطلق عليها في بعض الأحيان "النقود البلاستيكية"، وأصبحت أغلب المحلات التجارية، ووكالات السفر، والفنادق، ونحوها تقبل الدفع بواسطة هذه البطاقة دون أن يحتاج الشخص لحمل نقود، أو شيكات سياحية، خصوصاً في حالات السفر، وقد بدأ استخدام بطاقات الائتمان على نحو واسع بعد الحرب العالمية الثانية، أي قبل نحو خمسين سنة.
وقد أخذت فكرة بطاقة الائتمان من طريقة الشراء على الحساب التي كان يستعملها أصحاب المتاجر مع فئة معروفة من عملائهم يسمح لهم بالشراء الآن، ثم الدفع في نهاية الشهر، ثم تطورت هذه الفكرة لدى بعض المتاجر الكبيرة ذات الفروع المتعددة في أنحاء البلاد، فبدأت بإصدار بطاقات بلاستيكية تحمل اسم العميل ورقم حسابه مع المتجر، ويسمح لحامل هذه البطاقة أن يشتري على الحساب، ثم يدفع كل المبلغ عندما ترسل له الفاتورة، أو يقوم بدفع المستحق عليه على أقساط شهرية، بالإضافة إلى رسم يسمى رسم التحويل مقابل هذه الخدمة.
وعندما تعددت المتاجر التي تصدر بطاقات الائتمان أصبح العميل مضطراً إلى أن يحمل معه عدة بطاقات لعدد كبير من المتاجر، إذ لا يستطيع أن يستخدم بطاقة متجر معين في متجر آخر، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى بطاقة واحدة على مستوى الدولة تقبل في جميع المحلات داخل حدودها، ثم قامت الشركة المصدرة بتوسيع قبول البطاقة إلى خارج حدودها، وذلك بعمل اتفاقات مع الجهات الأخرى بضمان حصولهم على قيمة مبيعاتهم، وحسب السعر السائد لعملة كل دولة.
فبطاقة الائتمان تنشأ عن علاقة متعددة من أطراف مختلفة هي:
* الشركة التي ترعى البطاقة وهي عادة شركة عالمية.
* وكالات ومصارف محلية للوساطة في منح البطاقة.
* أصحاب المتاجر والخدمات (عملاء بيع البطاقة).
* حملة البطاقة (عملاء شراء البطاقة).
إذ تقوم شركة البطاقة بالاتفاق مع الوكالات والمصارف المحلية لتسويق البطاقة للطرفين المتعاملين بها مباشرة، وهما أصحاب المتاجر والخدمات وحملة البطاقة، وبعد حصول العميل على البطاقة وفي حال رغبته بالشراء عن طريقها يقوم بتقديمها إلى صاحب المتجر أو الخدمة الذي يقوم بإدخال البطاقة في جهاز خاص عنده من أجل تصويرها على فاتوة البيع، ويكتب المبلغ، ويوقع عليها العميل إقراراً بشراء البضاعة أو الخدمة، وبعد إتمام العميلة يتسلم العميل البضاعة التي اشتراها، أو يستوفي الخدمة ويأخذ نسخة من الأنموذج الورقي الذي وقع عليه (فاتورة الشراء)، ويرسل صاحب المتجر أو البنك الذي يتعامل معه صاحب المتجر النسخة الثالثة إلى الجهة المصدرة للبطاقة (وهي الشركة العالمية)، وتسدد تلك الجهة قيمة الفاتورة وتأخذ عمولة على صاحب المتجر، تقارب (3%) من قيمة الفاتورة، ثم ترسل صورة من تلك النسخة الموقعة من العميل إلى البنك الذي يتعامل معه العميل، وصدرت من خلال وساطته البطاقة، من أجل التسديد عنه أو خصم المبلغ من حسابه.
فوائد البطاقات :
يحقق مستعمل البطاقات عدة مزايا وفوائد منها:-
1. الأمان: فلا يحتاج الشخص إلى حمل مبالغ نقدية كبيرة معه في كل الأوقات سواء كان داخل حدود بلده أو متجولاً في البلاد الأخرى، وبذلك يقل تعرضه للسرقة، أو فقدان ما يحمله من نقود.
2. سهولة التعامل: إذ يؤدي التعامل بالبطاقة إلى سهولة إجراء التعاملات التجارية، وكذلك دفع فواتير الفنادق وإيجار السيارات، كما تستخدم البطاقة كأداة تعريف لحاملها، وكضمان لقدرته على الوفاء بالمستحقات التي عليه.
3. الاحتفاظ بحساباته المنتظمة: إذ يستطيع رجال الأعمال ومعظم الأفراد الاحتفاظ بحسابات منتظمة لجميع مدفوعاتهم، وخصوصاً في الدول التي توجد بها أنظمة للضرائب الشخصية وضرائب الدخل، بحيث يكون لدى مستعمل البطاقة كشف شهري بجميع المبالغ التي دفعها والجهات التي دفعت إليها والتواريخ والعناوين ونحو ذلك.
عيوب البطاقات:
ولا تخلو هذه البطاقات من بعض العيوب، ومنها:
1. الإسراف في الاستهلاك: إذا تؤدي سهولة الشراء الآن والدفع المؤجل إلى اتجاه بعض الأفراد إلى الإسراف في الإنفاق بدون حساب، بحيث لا يشعر المرء بتلك المدفوعات إلا عندما يتسلم كشف الحساب ويستحق عليه الدفع، كما أن في هذا مشكلة بالنسبة لشركات البطاقات عندما يعجز الشخص عن الوفاء بالدفع في المواعيد المحددة.
2. رسوم الاشتراك: هناك رسم اشتراك للحصول على هذه البطاقات، وتتراوح هذه الرسوم حسب نوع البطاقة من (300) ريال إلى (1000) ريال، كما أن هناك رسوم تجديد سنوية تتراوح من (300) إلى (700) ريال حسب نوع البطاقة، وفي بعض الأحيان لا يستعملها العميل مطلقاً.
3. الفوائد الربوية على الرصيد المتبقي: إذا لم يستطع العميل أن يدفع كامل المبلغ عند استلام كشف الحساب، وأراد أن يقوم بتقسيط ذلك المبلغ على عدة فترات، فإن البنك يتقاضى (فائدة) مقدارها يتراوح ما بين (1.5 %) إلى (2%) شهريًّا على الرصيد المتبقي، أي أن سعر الفائدة المستحق في هذه الحالة يتراوح ما بين (18%) إلى (24%) سنوياً، وبالرغم من ذلك فإن مزايا البطاقات تفوق عيوبها –إذا تخلصت من الأمور المحرمة -، ولذلك زاد انتشارها، وأصبح لا غنى عنها في هذا الزمن.

تكييفها الشرعي :
يختلف التكييف الشرعي لبطاقات الائتمان حسب طبيعتها والشروط المقترنة بها واستخدامها، فإذا تم استخدام البطاقة في الاقتراض من البنك المصدر لها، حيث يقوم بالتسديد نيابة عن العميل لعدم وجود رصيد في حسابه ويحتسب عليه فوائد ربوية فهذه لا شك في حرمتها؛ لأنها قرض بفائدة، وهذا هو الغالب في تعامل البنوك غير الإسلامية مع عملائها؛ فإن سدد البنك عنه ولم يحتسب عليه فائدة فهذا قرض حسن، وبالتالي لا تمنع البطاقة –شرعاً– لأجل هذا السبب، لانعدام الربا فيه.
ويبقى النظر في الجوانب والشروط الأخرى للبطاقة ومدى شرعيتها؛ فإذا تضمنت شروط البطاقة بين البنك المصدر لها والعميل شرطاً يلتزم فيه العميل بالتسديد من رصيده، وفي حال خلوه أو نقصه يقوم البنك بإقراضه واحتساب فائدة عليه ثم لم يحصل ذلك –بمعنى أن العميل جعل رصيده أكثر مما يستحق عليه نتيجة الشراء بالبطاقة–؛ فإن هذا الشرط يجعل العملية محرمة لما فيه من التزام الربا والرضا به والتوقيع عليه وهذا لا يجوز، وذهب بعض الباحثين إلى جواز ذلك إذا اتخذ العميل من الاحتياطات ما يكفل عدم تطبيق هذا الشرط المحرم؛ لأن هذا الشرط في معرض الإلغاء شرعاً وهو مستنكر ومعمول على استبعاد مفعوله، فالشروط التي تناقض كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم– باطلة مهما كانت، وكذلك إذا تضمنت الاتفاقات بين الشركة العالمية راعية البطاقة والبنك المصدر شرطاً أو تنفيذاً لأي فائدة ربوية ظاهرة أو مستترة، فهاهنا تحرم البطاقة لهذا السبب.
كما تحرم البطاقة -في هذه العملية بالذات إذا استخدمها العميل في السحب من البنوك التي تتعامل بالربا وليس السحب من الأجهزة الآلية؛ إذ يترتب على هذه العملية التزام العميل بدفع فوائد ربوية نتيجة لهذا السحب الذي يُكيَّف على أنه إقراض من قبل البنك المسحوب منه للعميل، ثم يسحب من حسابه الجاري الموجود في البنك المصدر للبطاقة.
كما أن بعض الباحثين ذهب إلى تحريم أخذ البنك المصدر للبطاقة من العميل رسم إصدار للبطاقة، على اعتبار أن ذلك ربا، فكأن هذا الرسم فائدة على دفع البنك في حال انكشاف الحساب للعميل، وإلى أن فيها غرراً وجهالة ؛ لأن العميل يدفع رسماً، ولا يعلم هل يستخدمها أم لا؟ وكم عدد المرات التي سوف يستعملها؟ ولكن لا يظهر في هذا الرأي حجج مقنعة؛ لأن الرسم الذي يتقاضاه البنك المصدر يمكن تكييفه على أنه قيمة لتلك البطاقة، وأجر على الخدمات والمنافع التي تقدمها –أو يمكن أن تقدمها تلك البطاقة- للعميل من تعريف به بواسطتها، وإرسال الإشعارات وعمل القيود ونحو ذلك. وأما الغرر والجهالة فغير موجودة؛ نظراً لأن العميل متاح له استخدامها بعدد مرات لا حد لها، فإذا لم يستخدمها فهذا حقه لم يمارسه، وليس ملزماً بممارسته، وعدم استيفائه له لا يجعل في العملية غرراً ولا جهالة.
وتُكيَّف الرسوم المأخوذة من أصحاب المحلات التجارية أنها مقابل استخدام الجهاز الخاص الذي تمرر فيه البطاقة، وكذلك لقاء خدمات الوساطة والسمسرة بين العملاء، وأصحاب المحلات التجارية الذي تم عن طريق البنوك.
وأما حسم نسبة مئوية من قيمة فاتورة السلع والخدمات المشتراة والتي تحصل عليها شركة البطاقة فلا يتحصل أصحاب المحلات التجارية على كامل قيمة الفاتورة؛ فهذه عمولة على تحصيل الثمن من العميل حامل البطاقة، ويجوز أخذ الأجر على تحصيل الدَّين ؛ لأنها إجارة على تحقيق منفعة مباحة، وهي جائزة شرعاً.
والكلام يطول جداً في تفصيل هذه الأمور.
والخلاصة في حكم بطاقة (فيزا كارد) ونحوها: أنها إذا كانت صادرة عن المصارف الإسلامية فلا بأس بها شرعاً، وأما إن كانت صادرة عن البنوك الربوية فإنها محرمة؛ لأن العميل (صاحب البطاقة) إما أن يدفع الربا فعلاً وذلك إذا اشترى بها، وكان حسابه أو بعضه مكشوفاً، وهذا دفع للربا المحرم بالإجماع، أو أن يلتزم بدفعه؛ لأنه يوقع في عقد منحه للبطاقة من البنك الربوي على استعداده لدفعه إذا انكشف رصيده أو بعضه، والرضا بهذا التوقيع عليه محرم بحد ذاته ولو لم يدفع فعلاً، إلا أن يكون الترافع إلى محكمة شرعية ستحكم ببطلان هذا الشرط، فكما قال النبي –صلى الله عليه وسلم– في حديث بريرة عندما اشترتها عائشة -رضي الله عنها-، وأعتقتها واشترط ملاكها السابقون أن الولاء لهم فأخبرته عائشة بذلك؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم–: "خذيها واشترطي لهم الولاء إنما الولاء لمن أعتق" ثم خطب رسول الله –صلى الله عليه وسلم– فكان مما قال: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" رواه البخاري (2168)، ومسلم (1504). فاشتراط الربا مثله، لكن هذا مقيد بالترافع لمحكمة شرعية، والواقع أن الترافع في هذه المسائل يكون إلى هيئات حسم منازعات تجارية لا تبطل هذا الشرط الربوي، بل تحكم بمقتضاه وتلزم العميل بدفع الربا، فعلى هذا تحرم البطاقة الصادرة من البنوك الربوية. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ