إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الائتمان في الإسلام
المجيب
وليد بن إبراهيم العجاجي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ السبت 07 جمادى الآخرة 1425 الموافق 24 يوليو 2004
السؤال

ما حكم الائتمان في الإسلام، رغم أننا نجد تحدياً في القدر، ومن جانب آخر نجد تكافلاً اجتماعياً؟.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:
فلعل الأخ السائل يقصد ما حكم التأمين في الإسلام؟
والجواب: أن التأمين عقد يتعهد بمقتضاه أحد الأطراف أن يعوض الطرف الآخر عن خسارة اجتماعية يتعرض لها مقابل أدائه -أي:الطرف الآخر- قسط التأمين.
والتأمين بهذا المفهوم عقد معاوضة لا عقد تبرع، وبناء عليه:
فإنه يشترط لصحته ما يشترط في عقود المعاوضات، من كون العقد مبنياً، على التراضي بين المتعاقدين، وخلو العقد من الجهالة والغرر، ومن اقترانه بوصف يجعله محرماً كالربا ونحو ذلك. ولكن هذا العقد -أعني: عقد التأمين- عقد تجاري يكتنفه الغرر الفاحش والقمار والربا بنوعيه-فضلاً ونسيئة- إضافة إلى أكل أموال الناس بالباطل؛ لما فيه من الإلزام بما لم يلزم شرعاً، وتوجيه ذلك:
أن المؤمِّن لم يحدث الخطر منه، ولم يتسبب في حدوثه، كما أنه لم يبذل عملاً للمستأمن، والمستأمن قد يدفع قسطاً من التأمين، ثم يقع عليه حادث فيغرم المؤمِّن فوق ما أخذه من المستأمن، وقد يدفع المستأمن جميع أقساط التأمين ولا يقع عليه شيء، فيغنم المؤمّن بلا مقابل، وقد يقع عليه حادث خفيف، فيكون المال الذي دفعه المستأمن أكثر من الضرر الواقع عليه.
وعلى هذا فالتأمين التجاري -تأمين المعاوضة- داخل في مثل قوله -تعالى-: "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون"[المائدة: 90]؛ لأنه نوع من أنواع الميسر والقمار، وداخل، في مثل قوله -تعالى- :"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"[النساء: 29]، وهو أكل لأموال الناس بالباطل.
إلا أن هناك -يا أخي- مفهوماً آخر للتأمين ألا وهو: أن يكتتب بعض الأشخاص -الذين يتعرضون لنوع من الخطر- بمبالغ نقدية ليؤدَّى منها التعويض لأي مكتتب منهم عندما يقع عليه الخطر المؤمَّن منه، فإن زادت الأقساط المدفوعة عن مبالغ التأمين المستحقة كانت هذه الزيادة لجماعة المستأمنين، وإن نقصت طولبوا بتغطية العجز، فهم لا يسعون لتحقيق ربح من وراء هذا التأمين -بخلاف المفهوم الأول للتأمين- فإن فيه سعياً لتحقيق الربح؛ ذلك أنه إن بقيت فضلة من المبالغ المدفوعة للمؤمِّن استأثر بها وحده، وإن نقصت أقساط التأمين عن المبالغ المستحقة تحملها المؤمِّن وحده، فوقعت الخسارة عليه وحده، فالمفهوم الأول للتأمين تأمين تجاري-وقد بينت تحريمه- والمفهوم الثاني للتأمين؛ تأمين تعاوني تبادلي مبني على التبرع لا على المعاوضة، ويغتفر في عقود التبرعات ما لا يغتفر في عقود المعاوضات فكان جائزاً، أخذاً بما يلي:
1- قوله -تعالى-:"وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"
[المائدة: 2].
2- وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". رواه مسلم(2586).
3- وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم" متفق عليه. البخاري(2486)، ومسلم(2500).
ويدخل في التأمين التعاوني ما يسمى بالتأمين الاجتماعي ومن صوره نظام التقاعد، فالتقاعد يعتبر حقاً التزمت به الحكومة تجاه رعيتها، تصرفه لمن قام بخدمتها جزاء تعاونه ببدنه وفكره. وللاستزادة في هذا الموضوع أنصحك بمراجعة قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (51) وتاريخ 4/41398هـ، ومجلة المجتمع الفقهي التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة ج 2 ص731، وقرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في 10/8/1398هـ ، والله أسأل أن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ