إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان شبهة في تشريع البدعة
المجيب
د. يوسف بن أحمد القاسم
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
التاريخ السبت 18 شعبان 1425 الموافق 02 أكتوبر 2004
السؤال

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.وبعد:
كثير من الناس ممن يبالغون في التعبد لله من خلال عبادات مخترعة يستندون إلى أدلة، منها قول ذلك الصحابي، رضي الله عنه، خلف النبي في الصلاة بعد الرفع من الركوع: ربنا ولك الحمد. فهو قد اخترع هذا الذكر من تلقاء نفسه. الثاني: بلال، رضي الله عنه- عندما كان يتوضأ يصلي ركعتين أيضًا من تلقاء نفسه، وغير هذه الأمثلة التي تقر مثل هذا الابتداع. أرجو ذكر رد علمي مقنع يقطع حججهم، وجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله وحده، وبعد:
فإنه لا يصح الاحتجاج بمثل هذه الأحاديث لتبرير الابتداع في الدين بما لم يأذن به الله تعالى؛ وذلك لما يلي:
أولاً: أنه باستقراء هذه الأحاديث وما جاء في معناها، نجد أن ما اشتملت عليه من عبادة قد وقع في دائرة المشروع، فمثلاً قول الصحابي، رضي الله عنه، عقب رفعه من الركوع: (...حمدًا كثيرًا طيبًا). أخرجه البخاري (799). هو في معنى الحمد المأثور في هذا المحل، ولذا قال الشوكاني– رحمه الله- في نيل الأوطار(2/371) تعليقًا على هذا الحديث: (استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور) ا.هـ، وكذا ما التزمه بلال، رضي الله عنه- من صلاة ركعتين بعد كل وضوء. انظر صحيح البخاري (1149) وصحيح مسلم (2458). فإنه جاء وفق المشروع، وهذا ما أشار إليه ابن التين فيما حكاه عنه الحافظ ابن حجر- رحمه الله- في الفتح(3/34) حيث قال تعليقًا على هذا الحديث: (... إنما اعتقد بلال، رضي الله عنه، ذلك؛ لأنه علم من النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة أفضل الأعمال، وأن عمل السر أفضل من الجهر...) ا.هـ.
ثانيًا: أن ما وقع من تلك الأخبار كان في العهد النبوي وفي زمن التشريع، وما يمكن أن يقع من مخالفة شرعية، فإنه لا يقر عليها المخالف، ولهذا اعتبر أهل العلم هذه الأعمال التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم، كسنة الوضوء، وكصيغة التحميد، اعتبروها من السنن المرغَّب فيها؛ بدليل الإقرار- وهو أحد أدلة السنة-بل وبما رتبه النبي صلى الله عليه وسلم، على بعضها من ثواب، كما في حديث بلال، رضي الله عنه، وكما في قصة التحميد، وأنه صلى الله عليه وسلم قد رأى بضعا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها، وهذا بخلاف ما يقع من اجتهاد في العبادة بعد عصر التشريع وبعد إكمال الدين؛ فإنه لا يمكن أن يكون عبادة إلا إذا كان وفق السنة، ويشهد لدليل الإقرار هذا حديث جابر، رضي الله عنه، الوارد في صحيح مسلم(1218) قال: (فَأَهَلَّ- يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم- بالتلبية: لبيك اللهم لبيك... وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلون به- يعني بقولهم: لبيك وسعديك... فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم- تلبيته...) ا.هـ، والشاهد هنا: أنهم زادوا على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرهم على هذه الزيادة، وهذا ممكن في عصر التشريع، لا بعده، ومع هذا، فقد كره مالك والشافعي- في أحد قوليه- هذه الزيادة، وذهب الجمهور إلى الجواز، لهذا الحديث، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (3/410).
ثالثًا: أنه قد جاء في بعض هذه الأحاديث المشار إليها ما يدل على إنكار الصحابة، رضي الله عنهم، بعض أعمال القرب التي توحي أنها مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فيها زيادة على ما جاء به الشارع، كما دل على ذلك حديث عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ "قل هو الله أحد"، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني: كالمنكرين لهذا الصنيع- فقال صلى الله عليه وسلم: "سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟". وهذا التساؤل يحمل نوعًا من الاستنكار أيضًا – فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن عز وجل، فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّهُ". انظر صحيح البخاري (7375) وصحيح مسلم (813). وهنا أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الصحابي، رضي الله عنه، على هذا الفعل، فأصبح تكرار القراءة لهذا الغرض جائزًا أو مشروعًا عند بعض أهل العلم؛ لهذا الحديث.
وبكل حال، فإنه لا ينبغي للعامة أن تستند إلى مثل هذه الأحاديث التي ربما أشكلت على بعض أهل العلم، فضلاً عن العامة، وتدع الأحاديث المحكمة التي دلت صراحة على تحريم البدعة، ومنها حديث عائشة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن أحْدَث في أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". أخرجه البخاري (2697) ومسلم (1718). وحديث: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". أخرجه مسلم (867). ونحوهما، فكيف يعدل عن الصريح والمحكم إلى المتشابه؟! والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ