إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان توبة تفجيري
المجيب
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ السبت 11 شعبان 1425 الموافق 25 سبتمبر 2004
السؤال

فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليس لي في السياسة شيء البتة، لذلك أرجو أن أجيد التعبير في سؤالي، أظن أن ما حدث في مدينتي الرياض وجدة وغيرهما من المدن السعودية من الإرهابيين، فساد في الأرض، قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ". فضيلة الشيخ: لو أن أحدًا من هؤلاء الإرهابيين قُتل في أثناء تبادل الطلقات النارية بينه وبين قوى الأمن – نصرهم الله- وأصيب بعيار ناري، ومات على الشهادة، ما جزاؤه في هذه الحالة؟ وكيف يَلقى ربه بعد سعيه في الفساد ومقابلته بآخر عبارة: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهب أن أحدًا من الإرهابيين يريد التوبة الآن وقد أحس بأنه قَتل كثيرًا، ورمّل ويتّم من الأبرياء، ويريد توبة نصوحًا، ويريد الاستسلام، ولكنه يخشى على نفسه من السجن أو من العذاب الذي سيلاقيه، ويريد الأمان، هل تقبل توبته؟ أي أنه لا يريد أن يسجن. أتمنى أن أكون قد عبرت جيدًا. أرجو الشرح والتفصيل والتدقيق، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا شك أن حوادث التفجير والقتل التي حصلت، وما زالت تحصل، في المملكة بين وقت وآخر هي جريمة نكراء، وفعل شنيع، وعُتُوٌّ وفساد في الأرض كبير، مهما ادعى مرتكبوها من التأويلات والشُّبه الزائفة، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ)[البقرة:11-12]. ونظرًا للغلو الذي اتصفوا به جفوا العلماء واجتنبوا الدعاة المصلحين واحتقروهم وقللوا من شأنهم ورموهم بالفسق والجهل والنفاق، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ)[البقرة:13]. وصنف من أولئك قد لا يباشرون التفجير والتخريب وإزهاق الأرواح بأنفسهم, ولكنهم يختلقون المعاذير، ويتأولون النصوص لمباشري حوادث القتل والتفجير، عندما يختلطون بعامة الناس ودَهْمَائهم، (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [البقرة:14-16]. وقد بين الله حكم هذه الفئة الضالة المفسدة في آيات الحرابة في سورة المائدة فقال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة:33-34]. ومن قتل من هؤلاء الشباب(الإرهابيين) في أثناء متابعة رجال الأمن لهم، فحكمهم في الدنيا قد لقوه من القتل والخزي والعار، أما في الآخرة، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، فأمرهم إلى الله سبحانه، يحكم بينهم بالعدل وهو أحكم الصادقين، فيعذبهم بالنار بقدر ذنوبهم، ومنها القتل والإفساد بغير حق، ثم مآلهم إلى الجنة ما داموا قد لقوا الله ولم يشركوا به شيئًا؛ لحديث عتبان في صحيح البخاري (425) وصحيح مسلم (33) : "إنَّ اللهَ قد حرَّم عَلَى النَّارِ مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ. يَبْتَغي بِذلكَ وجهَ اللهِ". ومعنى: حرم الله عليه النار. أي الخلود فيها، ومثله حديث أبي ذر، رضي الله عنه، عند مسلم (2687):قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال اللهُ: وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً". أما إذا قتل رجل الأمن في المواجهة مع هذه الفئة المفسدة في الأرض فهو على خير في الدنيا من الذكر الحسن ويرجى له خير في الآخرة عند ربه – إن شاء الله- وينطبق عليه حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عند أحمـد (1652) وأبـي داود (4772) وابن ماجه (2580) والترمذي (1421) والنسائي (4095):"مَن قُتِلَ دُونَ مالِه فهُو شَهِيدٌ، ومَن قُتِل دونَ دِينِه فهُو شَهِيدٌ، ومَن قُتِل دونَ دَمِه فهُو شهيدٌ، ومَن قُتل دونَ أهلِه فهو شهيدٌ". وإذا تاب ذلك الشاب بعد أن قَتَل أو شارك في القتل وإفساد الممتلكات المحترمة، وقتل معصوم الدم فلا تخلو حاله حينئذ من أمرين:
الأول: أن تكون توبته بعد أن تقبض عليه السلطة ممثلة برجال الأمن، فهذا يحكم فيه القضاء بعد أن تجرى عليه أحكام الدنيا في آية الحرابة الأولى: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ...) [المائدة من الآية: 33]. وغالب ما ينطبق على هؤلاء من الآية الحال الأولى منها، وهي القتل والصلب لقتلهم الأنفس البريئة وإفسادهم الأموال المحترمة، ومن ينفذ عليه حكم الله هذا في الدنيا سيلقى ربه يوم القيامة سليمًا معافى؛ لما ثبت عند أحمد (21866) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَهُوَ كَفَّارَتُهُ". وعند البخاري (6801) ومسلم (1709):" وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ". وفي الحديث الآخر: " مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَعُجِّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ إِلَى شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ". أخرجه ابن ماجه (2604) والترمذي (2626).
الأمر الثاني: أن يتوب ذلك الشاب مما اقترفه من ذنوب في القتل والإفساد قبل أن تقبض عليه السلطة أو يسلم نفسه لها مختارًا تائبًا، فهذا تنطبق عليه الآية الثانية للحرابة: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[المائدة: 34]. فهذا لا يجوز أن يلحق به عقوبة ..... من قتل أو سجن أو ضرب، وإنما اختلف العلماء هل يطالب التائب قبل أن يقدر عليه بضمان ما أتلفه من حقوق الناس (الحق الخاص)، الصحيح أنه لا يضمن، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وعدد من المحققين من العلماء، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين يوم فتح مكة حين قال: "مَن دخَل دارَ أبي سُفيانَ فهُو آمِنٌ، ومَن أَلْقَى السِّلاحَ فهُو آمِنٌ، ومَن أغلَق عليه بابَه فهُو آمِنٌ...". أخرجه مسلم (1780) . ومشركوا مكة حينئذ قد جمعوا بين قتل المسلمين وأخذ أموالهم، فعفا عنهم ولم يضمنهم الأمرين ولا أحدهما، وكذلك فعل علي بن أبي طالب, رضي الله عنه, مع الخوارج الذين قاتلوه – كما ذكره ابن تيمية وابن أبي الدنيا- (كان حارثة بن بدر بن تميم من أهل البصرة قد حارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأفسد في الأرض، فكلم رجالاً من قريش يكلمون له علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فجاءه سعيد بن قيس الهمداني وقال: يا أمير المؤمنين: ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فتلا عليه آيتي الحرابة في سورة المائدة، قال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر التميمي جاءك تائبًا؟ قال: نعم. فجاء به ربيعة فبايعه وقبل ذلك منه, وكتب له أمانًا.
وجاء رجل إلى أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، بعد أن صلى معه الغداة، ثم قال له: هذا (المسجد) مقام العائذ التائب، أنا فلان بن فلان، كنت ممن حارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجئت تائبًا من قبل أن يُقدر علي. قال أبو موسى, رضي الله عنه: إن فلانًا ممن حارب الله ورسوله جاء تائبًا قبل أن يُقدر عليه فلا يَعْرِضْ له أحد إلا بخير، فإن يكن صادقًا فسبيلي ذلك، وإن يكن كاذبًا فلعل الله أن يأخذه بذنبه.
وأخيرًا: إن علاج هذه الظواهر في مجتمعنا من قتل وتدمير وإفساد تقع المسؤولية فيه على جميع فئات الشعب السعودي وطبقاته من الحكام والعلماء والدعاة والمربين،وأولياء الأمور، وليست مسؤولية فئة معينة، وإن كانت هذه الفئات تختلف في درجات تحمل هذه المسؤولية.
كما يجب أن يُعلم علم اليقين أن الاعتماد على الحل الأمني وحده لا يكفي، إن لم يزد الأمر استفحالاً، والمشكلة مبناها وأساسها ديني فكري هو التكفير لبعض تلك الفئات المشار إليها في مسؤولية العلاج؛ لمنكرات رأوها فيهم، ولا أظن أن تنتهي حوادث التفجير قبل أن يقضى على دعاوى التكفير وشبهه ومبرراته، ولن يكون ذلك إلا بالحوار الفكري بين الطرفين في جو أمني آمن مثل ما فعل علي ابن أبي طالب، رضي الله عنه، مع الخوارج لما أمنهم وأرسل إليهم عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، فحاورهم بالعقل والدليل فرجع منهم أربعة آلاف يمثلون الثلث من الخارجين عليه.
وفق الله الجميع إلى كل خير، اللهم اهد ضال المسلمين، وارزقنا الأمن والأمان، واكفنا شر الأشرار، آمين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ