إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ما يشرع فعله بالميت عند موته
المجيب
د. عبد الحكيم محمد أرزقي بلمهدي
كلية الشريعة/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الثلاثاء 15 ربيع الأول 1425 الموافق 04 مايو 2004
السؤال

السلام عليكم.
كنت أتناقش مع بعض الأشخاص ممن يمارسون أفعالاً ليست من السنة عن الشيء الذي ينبغي فعله عند وفاة شخص ما، ولم يقتنعوا بما قلت لهم، فهم يرون أنه يجب جمع الناس بعد وفاة الشخص لقراءة سورة ياسين والقرآن، وقراءة كلمة عدة مرات نيابة عن الميت، أرجو أن تبينوا لنا ما يجب فعله بعد الوفاة بناءاً على القرآن والسنة مع ذكر الأشياء المستحبة والجائزة في الشرع، حيث نحب أن تكون هذه الأشياء شاملة جميع ما يمكن فعله. وحيث إن جوابكم سينشر بشكل واسع نرجو أن يكون جواباً دعوياً مسهباً.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فإن مما يكثر فيه الخلط بين ما يشرع فعله وما لا يشرع فعله ما له صلة بالجنائز، وإن للبيئة التي يعيش فيها المسلم أكبر الأثر في جعل الناس يتبعون السنة في ذلك أو أهل الجهل والبدع وأحيانا اتباع أهل الكتاب وغيرهم من الكفار في بعض مراسم الدفن، ولو كان ذلك في طريقة حمل الجنازة ونوع السيارة التي تحملها وطريقة سير الموكب.
أما ما وقع عليه السؤال تحديدا فمما يشرع فعله بالميت عند موته:
يشرع لمن كان موجودا عند احتضاره أن يلقنه قول لا إله إلا الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" رواه مسلم (916).
ويسن توجيه المحتضر إلى القبلة بأن يمدد على ظهره ورجلاه إلى القبلة، فإن أمكن رفع رأسه قليلا مواجها للقبلة فحسن، لما روي عن البراء بن معرور -رضي الله عنه- أنه أوصى أن يوجه إلى القبلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أصاب الفطرة" أخرجه البيهقي(3/384).
فإذا تيقن موته سن تغميض عينيه لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" رواه مسلم (920).
ويسن تغطيته بثوب يستر جميع بدنه بعد نزع ثيابه التي قبض فيها ما لم يكن شهيدا أو محرما. ويجوز كشف وجهه وتقبيله كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعثمان بن مظعون -رضي الله عنه- انظر الترمذي (989) وأبو داود (3163) وابن ماجة (1456) وأحمد (23645) وصححه الألباني، وكما فعل أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، انظر البخاري (1242).
ويشرع إعلام الناس بموته ليشهدوا جنازته ويصلوا عليه بالطرق المباحة.
ويجب غسل الميت وجوبا كفائيا على جماعة المسلمين، لقوله صلى الله عليه وسلم حين وقصت الدابة صاحبها فقتلته وهو محرم: "اغسلوه بماء وسدر..."، رواه البخاري (1265).
وبعد غسله يكفن الرجل في ثلاث لفائف والمرأة في خمسة أثواب: إزار وخمار وقميص ولفافتان. وهذا الأفضل لمن وجده وتيسر له، وإلا فالواجب تكفينه فيما يستر جميع جسده، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كفن أحدكم أخاه فليُحِسِّن كفنه" مسلم (943).
ويسن تطييب الميت وتجميره ثلاثا.
ثم يصلى على الميت صلاة الجنازة وهي مشروعة في حق النساء والرجال.
فإذا تم تغسيل الميت وتكفينه وصلِّي عليه شرع حمله واتباعه، وفي ذلك فضل عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" رواه مسلم (944).
ويسن التعجيل بدفن الميت ولا يشرع تأخيره إلا لحاجة، ويسرع به لما جاء في الحديث: "أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير، وإن كانت غير ذلك كان شرا تضعونه عن رقابكم" رواه مسلم.
ثم يدفن الميت، والسنة أن يدفن في مقابر المسلمين، ولم يعهد في سلفنا الأوَّل تخصيص أراضي ضمن الأملاك الخاصة لدفن أفراد العائلة فيها. أما الدفن في مقابر الكفار والمشركين فهو مما ابتلي به بعض المسلمين القاطنين ديار الكفر، وما أحسن قول بعض أهل العلم: (نقل الميت من بلد الكفر إلى بلد الإسلام أولى من دفنه في مقابر الكفار ولو في أرض مخصصة للمسلمين إذا جمعهما سور واحد).
ويسن لمن يُدخل الميت القبر أن يقول: "بسم الله وعلى ملة رسول الله" الترمذي (1046) وابن ماجة (1550) وأحمد (4797) وحسنه الترمذي وصححه الألباني.
ويسن وضع الميت في قبره على شقه الأيمن مستقبلاً القبلة، ويفك عقد الكفن من قبل رأسه ورجليه، ولا يكشف وجهه.
ويسن حثو التراب عليه باليد ثلاثا، ثم يهال عليه تراب قبره. ويشرع رفع القبر على الأرض قدر شبر، ولا يرفع أكثر من ذلك إلا لحاجة. ويشرع وضع حصباء على القبر ثم رشه بالماء ليثبت التراب. ويجوز وضع النصائب على القبر لتعليمه، ولا يجوز تخصيصها ولا الكتابة عليها ولا البناء، لحديث جابر -رضي الله عنه-: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تخصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ". رواه مسلم (970).
فإذا فرغ من دفنه سن الانتظار قليلا والدعاء له وسؤال الله له التثبيت، لحديث عثمان -رضي الله عنه- قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل"، رواه أبو داود (3221).
كل ما سبق مما دلت عليه نصوص السنة، وهو مشروع باتفاق العلماء. وما عدا ذلك من أعمال مثل الاجتماع لتلاوة القرآن على الميت قبل دفنه، أو بعده، والدعاء له جماعة بعد الدفن، وإلقاء كلمة تأبين كما تسمى، والبناء على القبر، والكتابة عليه، أو إسراجه، وإحضار من يقرأ القرآن ثلاثة أيام أو سبعة، وغيرها كثير جدا... فهو دائر بين ما اتفق العلماء على منعه كالبناء على القبور والإسراج، وبين مختلف فيه، وليس لمن قال بالجواز دليل يعتمد عليه، وهذه من أمور العبادة، والأصل فيها التوقيف، ومن أحضر دليلا على جواز فعل من الأفعال، فالسنة حاكمة والكل لها تابع. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ