إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ادعاء خلق آدم من أب وأم
المجيب
د. عبد العظيم بن إبراهيم المطعني
رئيس قسم التفسير والحديث بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر
التاريخ الاثنين 28 رجب 1425 الموافق 13 سبتمبر 2004
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نأمل منكم التكرم بتوضيح الفتوى التي يتحدث بها الناس في هذه الأيام بشأن أن آدم عليه السلام ولد من أب وأم (فتوى الدكتور عبد الصبور شاهين إن صحت عن الدكتور) نأمل إفادتنا بكيفية الرد عليها بالدليل. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هذا الموضوع من الموضوعات الغيبية، التي حدثت في أزمنة سحيقة، وبعُد بيننا وبينها العهد، بل هو موضوع يقع الآن خارج ذاكرة الوعي التاريخي، وهو أشد الأمور الغيبية غموضًا، وكل حديث عنه يخوض فيه الباحثون، إنما هو رجم بالغيب، وطحن في الهواء، بل هو ضرب من الظنون أو الأوهام التي لا تغني من الحق شيئًا ، ولا يبنى عليها عمل ، وليست من المسؤول عنه يوم الحساب .
والأمور الغيبية التي لا يكون للبحث فيها جدوى الآن، لانقطاع صلة الناس فيها، كثيرة، منها هذه القضية (قضية خلق آدم)، ومنها البحث عن عمر الأرض، وعن اللغة "الأم" ما هي؟ وعن كيفية نشأة هذه اللغة، ثم البقعة التي هبط إليها آدم وحواء، وكيف تمت هجرات الناس منها إلى ربوع الأرض؟
ومنها التحديد الزماني لعهود الرسل والأنبياء، والفترات التي بين كل رسولين، وأصل اللغات السامية، أهي العربية أم العبرية؟ والموطن الأصلي للساميين، وكيف تمت الهجرات منه؟ إلخ .. إلخ .
والبحث حول هذه الأمور لم ولن يؤدي فيها إلى طائل، والنماذج التي عرفها الناس منها، إنما هي ركام هائل من الفرضيات والأقوال المتضاربة.
وحيث إن موقف سلفنا الصالح من مثل هذه القضايا هو الموقف الأحكم والأسلم؛ إذ يدور مع ما ورد في محكم الكتاب العزيز، وما صح سنده ومتنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن موقفهم يتلخص في أن هذه القضية أمر غيبي، يجب الإيمان بها كما وردت في كتاب الله، وما أشارت إليه أحاديث الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، والوقوف في الإيمان بها عند دلالات النصوص المقدسة دون تحريف، أو تأويل تأباه دلالات اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، أو تأباه حقائق الإسلام الواضحة، وأن هذه القضية لا يحتاج المسلم في الإيمان بها جملة وتفصيلاً إلى مصادر أخرى غير المصادر الإسلامية المقدسة . وأنهم لا يقولون فيها غير ما قاله الله ورسوله، شأنهم فيها شأنهم في كل أمر غيبي لا يملك الحديث عنه إلا علاَّم الغيوب .
ففي أوائل القرآن الكريم يأتي كلام الله تبارك وتعالى عن صفات المؤمنين التي لا يصح منهم إيمان بدونها وهي ( .. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..)[البقرة:3]. ويقول تعالى: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)[النمل:65]. ويقول تعالى: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)[الكهف:51].
وعقيدة الأمة أن الله عز وجل هو الذي سمى أبانا آدم بهذا الاسم لأنه أول مخلوق بشري على وجه الأرض، كتسميته لابن زكريا بيحيى (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا)[مريم:7]. وفي لسان العرب أن علة التسمية بآدم لأنه خلق من الأرض، يعني خلقه المباشر كان من الأرض(اللسان 1/46). وأما عن قول الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ...)[البقرة:30]. فإن الملائكة ـ كما قال علماء التفسير ـ قاست حال الإنسان على حال الجان؛ لأن الجان كانوا يعمرون الأرض قبل خلق آدم، فكانوا يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض، والبشر مثلهم ذوو شهوات تحمل على الصراع والمنازعة، فوجه الشبه بين الجان والإنسان شديد القوة والوضوح، أما الملائكة فهم أشكال نورانية لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون، وقد جاء في القرآن أن الجان مخلوق قبل الإنسان، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ)[الحجر 26-27].
فآدم ـ عليه السلام ـ هو "البشر" المخلوق من تراب، وليس من أب وأم ، وهو "البشر" الذي سواه الله ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة أن تسجد له. وفي صحيح البخاري (6227) وصحيح مسلم (2841)، مرفوعًا، عن أبي هريرة، رضي الله عنه: "خَلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ". أي هكذا كما هو وبدون سابقة من أصل أب أو أم .
أما القائلون بغير هذا فيزعمون أن آدم عليه السلام ليس هو أبا البشر، ولا أول مخلوق عاقل من غير الجن والملائكة، بل هو "أبو الإنسان"، وأن الله خلق قبله من جنسه خلائق كثيرين عاشوا قبل آدم "هذا" ملايين السنين، وكانوا في تلك الأزمان خاضعين للتصرف الإلهي من التسوية والتعديل والتهذيب، ثم انقرضوا جميعًا بعد أن اختار الله منهم آدم "هذا" من أب وأم "منهم"، كما اختار حواء زوجة آدم من "أب وأم" كذلك من آخر أجيال البشر الأولين الذين انقرضوا تمامًا ولم يصبح في الوجود منهم أحد، وأن آدم وحواء وحدهما هما اللذان بقيا ليكونا أبوين لنوع جديد من ذلك الجنس الذي انقرض، أي نوع من الإنسان المستمر توالده حتى الآن إلى قيام الساعة . وهم يضعون- حسب زعمهم ـ عدة فروق بين "البشر" وبين "الإنسان"، وهي:
1. أن البشر أقوام همجيون، لا سمع لهم ولا بصر لهم ولا عقل.
2. الإنسان هو النوع المنتخب المهذب الراقي، لهم سمع وإبصار وعقول.
3. البشر لم يرسل الله فيهم رسولا،ً ولم يكونوا من أهل التكليف الإلهي؛ فلا إيمان بالله ولا أوامر ولا نواهٍ.
4. البشر مخلوقون من تراب أو طين.
5. أما الإنسان فإنه هو المخلوق من ماء أو من علقة أو من نطفة .
وهي شبهة مردودة ، وحجة داحضة ، القول بها يتشابه مع نظرية التطور لدى اليهودي الملحد دارون التي من عناصرها:
1- أن الإنسان ليس مخلوقًا لأول مرة وإنما متطور عن مخلوق آخر هو القرد.. الإنسان أصله قرد.. ويرده قوله تعالى: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)[ص:75]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "النَّاسُ بَنُوآدَمَ, وآدَمُ مِنْ تُرَابٍ". أخرجه أبو داود (5116) والترمذي (3956).
2- أن الأجناس البشرية متفاوتة في قدرها وذكائها وأهميتها، فاليهود أفضل من الآريين، والآريون أفضل من العرب، والعرب أفضل من الزنوج وهكذا.. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَد،َ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى ". أخرجه أحمد (23489). ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم: "الناسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ". أخرجه ابن عدي 3/248، والقضاعي في مسند الشهاب (195). وانظر السلسلة الضعيفة (596).
3- البقاء للأصلح، بمعنى وجوب قتل الضعفاء والمرضى وعدم مراعاة الأخلاق ولا أوامر الدين بالإحسان إليهم ونواهيه عن الإساءة إليهم، وقد تبلورت هذه النظرة غير الإنسانية بشكل لافت لدى الملحد الألماني "فريدريك نيتشه" الذي زعم أن إلهه نزل إلى الأرض ومات.
أما من حيث اللغة فإن كلمات "البشر"، "الإنسان"، "الناس"، "الإنس" تطلق على بني آدم، وكل أهل العلم من اللغويين والفقهاء على ذلك لم يخالف منهم واحد سوى عبد الصبور شاهين صاحب كتاب "أبي آدم .. قصة الخليقة" الذي يقول إن البشر غير آدم الذي هو أبو الإنسان، ومن ثم فالإنسان- في زعمه ـ غير البشر؛ إلا أن العلماء ردوا حجته وفندوا زعمه بالأدلة الدامغة والحجج البالغة، ومنها قوله تعالى: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ)[ص:71]. يعني (خلقت في الماضي)، وسائر المفسرين ومقتضى لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم الذي منه هذه الآية على أن معناها: سوف أخلق في المستقبل. في إعلام الله تعالى ملائكته عليهم السلام بخلق آدم (الإنسان أبي الناس والبشر جميعًا)، وأخيرًا فالله هو العليم بما خلق ومن خلق (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الملك:14].


إرسال إلى صديق طباعة حفظ