إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان واجب المسلم إذا احتل الكفار بلده
المجيب
خالد بن عبد الله البشر
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التاريخ السبت 05 رجب 1425 الموافق 21 أغسطس 2004
السؤال

السلام عليكم.
ما هو الواجب الشرعي على المسلمين إذا احتل الكافر بلدهم على ضوء ما قرره أهل العلم؟ هل الكفار الذين يحتلون بلاد المسلمين يجوز التعاون والتعامل معهم؟ علماً أن السيادة والقيادة بيد المحتل الكافر، وجزاكم الله خيراً وأحسن إليكم.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أما بعد:
بالنسبة إلى سؤالكم الأول ونصه: ما هو الواجب الشرعي على المسلمين إذا احتل الكافر بلدهم على ضوء ما قرره أهل العلم؟
وجوابه :
إن من المتقرر عند الأصوليين أن "الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره"، وقال ابن القيم: " فههنا نوعان من الفقه لا بد للحاكم منهما: 1/ فقه في أحكام الحوادث الكلية 2/ وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع " (انظر:الطرق الحكمية لابن القيم ص:4).
ومما أجمع عليه علماء الأمة وجوب دفع عدوان الكافر على بلاد المسلمين فرضاً عينياً على أهل تلك البلاد، وانعقد الإجماع عليه من غير خلاف.
قـال ابن تيمية : "فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفـس والحرمة واجب إجماعاً " (4/ 607 الفتاوى الكبرى).
وقال ابن بن قدامة – مبيناً الحالات التي يجب فيها الجهاد فرضاً عينياً - "الثاني إذا نزل الكفار ببلد المسلمين تعين على أهله قتالهم والنفير إليهم، ولم يجز لأحد التخلف إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ الأهل والمكان والمال ومن يمنعه الأمير الخروج، لقوله –تعالى- انفروا خفافا وثقالا " (الكافي في فقه ابن حنبل 4/254)، وإن الناظر في التعاطي مع أحداث العراق بعد شنّ العدو الصليبي هجمته على بلاد المسلمين، وما أفرزته تلك الهجمة من سفك الدماء وانتهاك الأعراض، وإتلاف الحرث والنسل والإفساد في الأرض بمعاذير واهية، ومبررات ساقطة. يجد في هذا التعاطي مع هذه الحادثة المؤلمة؛ أن بعض من تناولها من الناحية الشرعية من يوجب النفير العام لكل المسلمين في جميع أنحاء الأرض، دون الالتفات إلى ضوابط الجهاد، وما يكتنفه من المصالح أو المفاسد، ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى نصوص الكتاب والسنة وأقوال العلماء المستفيضة في وجوب جهاد الدفع عن بلاد المسلمين إذا دهمها العدو، وتُعدّ هذه الحالة من الحالات التي يجب فيها الجهاد فرضاً عينياً على كل مسلم بَعُد من العدو أو قَرُب.
بينما نجد في الجهة المقابلة النقيض بعينه من هذه الأحداث، ممن يقول إن هذه الأحداث فتنة يجب على مسلم أن ينأى بنفسه عنها، ثم يسقط أدلة وجوب كف القتال في الفتنة على تلك الأحداث، ولم ينتبه إلى أن أحاديث الكف عن القتال في الفتنة إنما هي في قتال المسلمين بعضهم لبعض دون قتال المسلمين لعدوهم الكافر!.
ونجد لم يفطنوا إلى أن تلك الفتاوى على تضادها قد يكتوي بها إخواننا المسلمون في تلك البلاد ومن هم خارجها؛ لأنها لم تراعِ جملة أمور :-
- أن ما يناسب المسلم في الشيشان من الفتاوى في مسائل الجهاد قد لا يناسب المسلم منها في العراق، وعلى هذا قسه في جميع بلاد المسلمين التي اعتدى عليها أعداؤهم.
- أن الخوض في مسائل الجهاد دون أن يدرك الخائض فيها أبعادها الشرعية والزمانية والمكانية وأحوال الناس وواقع العدو الكافر من حيث ترتّب المصالح وانتفاء المفاسد أو ترتيبها عند التعارض مما قد يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها.
- أنه ثبت واقعاً أن بعض المسلمين حينما اعتدى العدو الكافر على بلادهم أنهم كانوا أحوج إلى الدعم المالي أكثر من الدعم البدني، مما يؤكد أن حاجات المجاهدين على ثغور بلاد المسلمين تختلف من بلد إلى بلد آخر، ومن زمن إلى زمن آخر.
وما سبق هو جواب عام عن هذا النوع من الجهاد.
وأما بالنسبة لإخواننا المجاهدين داخل العراق فإنني أهيب بكل مسلم في بلاد العراق أن يلتفَّ حول علماء المسلمين في العراق؛ فإن الله تعالى قد هيّأ للمسلمين هناك علماء ربانيين مخلصين، ومن جملتهم هيئة علماء المسلمين في العراق، وأن يصدر المسلمُ في العراق عن رأي هؤلاء العلماء؛ لأنهم أقرب من غيرهم في تصوّر الواقع، وما يناسبه من معالجة، وكذلك أخذ رأيهم في كيفية جهاد العدو الكافر وأساليبه.
وأما السؤال الثاني:
هل الكفار الذين يحتلون بلاد المسلمين يجوز التعاون والتعامل معهم ، علماً أن السيادة والقيادة بيد المحتل الكافر؟.
لا يجوز التعاون مع العدو الكافر، ولا التعامل معهم فيما من شأنه تثبيت يد العدو على البلاد، بل يُعد هذا من المظاهرة للكفار على المسلمين، وهو كفر وردة، وخروج عن الملة، دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، منها : ما جاء في كتاب الله قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".
وقال الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب – مبيناً نواقض الإسلام المجمع عليها – " قال الناقض الثامن : مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم " . ( انظر:مجموع فتاويه1/274).
وأما إن كانت استعانة العدو الكافر بالمسلم فيما من شأنه خدمة إخوانه المسلمين، وتسيير أمورهم من العمل في المستشفيات ونحوها فلا بأس إذا دعت الحاجة لذلك، وتضرر المسلمون من عدم القيام بها، مع ضرورة الأخذ برأي علماء المسلمين في العراق في كل واقعة بعينها، وما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد.
نسأل الله أن يفرّج عن إخواننا المسلمين في العراق كربهم، وأن ينصرهم على عدوهم. اللهم آمين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ