إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان القبض على المجاهدين وتعذيبهم
المجيب
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ السبت 28 شوال 1425 الموافق 11 ديسمبر 2004
السؤال

ما حكم من يقبض على مجاهد ترك ماله وعمله وبيته وأولاده وملذات الدنيا ومغرياتها، وذهب ليجاهد مع إخوانه في العراق ضد اليهود والنصارى، وقد سفكوا دماء إخوانه المسلمين، وانتهكوا أعراض أخواته المسلمات، وعذبوا ونكل بهم، هل يجوز منعه وسجنه وتعذيبه لأنه اختار طريق الجهاد؟ بينما تفرش الأرض، وتوزع الهدايا، ويمجد المغني الماجن أو اللاعب وغيرهما؟!

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يجب أن يُعلم أن دعوة الكافر إلى الإسلام بتألُّفه وتعريفه بأحكام الشرع ومقاصده، مقدم على قتله ومقاتلته، ودعوته إلى الإسلام قبل القتال أو بعده لا يقل أجرها عن أجر قتله إذا امتنع عن الإسلام ففي الحديث: "لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن أنْ يَكُونُ لَكَ حُمْرُ النَّعَمْ". أخرجه البخاري (3701) ومسلم (2406). ومن المعلوم في أحكام الجهاد أن الكافر متى رغب في الدخول في الدين أو نطق بالشهادة، وجب الكف عن قتاله، وتأمينه حتى يسمع كلام الله، ولا يجوز التشكيك في قصده؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .)[النساء: من الآية94]. أما إذا بدأ العدو المسلمين بالقتال أو لم يقبل دعوة الحق التي عرضت عليه وجب قتله ومقاتلته؛ (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)[البقرة: 190- 191]. ولاشك أن قتال أمريكا وحلفائها في العراق قتال مشروع وعمل مبرور، ومن قتله الأمريكان وحلفاؤها من المسلمين فله أجر شهيدين- إن شاء الله- كما جاء في حديث قيس بن شماس، في سنن أبي داود (2488): لما جاءت أم خلاد تسأل عن ابنها وهو مقتولٌ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابْنُكَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ". قالت: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ فقال: "لَأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الكِتَابِ". فالله الله يا أهل العراق خاصة، أثخنوا في الأمريكان قتلًا وأسرًا، ولا تأخذكم في ذلك لومة لائم؛ (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا. . . )[محمد: من الآية4]. واحذروا أن يوقع عدوكم الفتنة بينكم فيقتل بعضكم بعضًا، فإنكم مهما اختلفت توجهاتكم تقفون اليوم أمام عدو مشترك يريد أن يستأصل شأفتكم، ويأخذ خيراتكم، ويفسد عليكم دينكم ودنياكم، والله يقول لعباده المؤمنين: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال: 46].
أما الشباب غير العراقيين فلا أنصح بذهابهم للقتال هناك، وإنما عليهم العمل بنصرة إخوانهم، وهم مقيمون في أوطانهم بما يستطيعونه من مال أو رأي ومشورة، أو دعاء، أو طعام ودواء، فنصرتهم بهذه الأمور أهم وأولى من الذهاب للقتال معهم، فهم إلى الدعم بهذه الأمور أحوج من غيرها، ويجب أن نستفيد- معشر المسلمين- من واقع الجهاد في أفغانستان مع الاتحاد السوفيتي، ولقد كان قادة المجاهدين آنذاك (رباني وسيَّاف وحكمت يار) يقولون: لسنا بحاجة للرجال غير الأفغان، وإنما نحن بحاجة ماسة إلى الدعم بالمال والدعاء. فكان هذا عين الصواب والحكمة، وليته تم- غير أن حماس شباب العرب وعاطفتهم طغت على حكمة وشجاعة العجم، فكان ما كان مما أصاب العالم كله والمسلمين خاصة حكومات وشعوبًا مما لا يجهله اليوم إنسان، لقد اجتيح بسبب هذا في مدة وجيزة دولتان (أفغانستان والعراق)، قتل وجرح، وشرد فيها مئات الألوف من الأنفس البريئة، علاوة على انتهاك الأعراض وإفساد الأموال والممتلكات ما الله به عليم، ولا يزال الحبل على الجرار، فالدور قادم- إلا أن يشاء الله- على دول الجوار، وكل ما حصل ويحصل للمسلمين من كل مكان من الذل والهوان والتخلف إنما هو بسبب المعاصي والذنوب من عامة الحكومات والشعوب، وصدق الله العظيم: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)[الرعد: من الآية11]. ومن أعظم هذه المعاصي الجهل بالدين والدنيا معًا، وأعظم الجهل بالدين الجهل بتوحيد الله من بناء الأضرحة على القبور والدعاء عندها، والطواف عليها، وتشريع القوانين والأنظمة بتحريم ما أحل الله، وإباحة ما حرم الله، والحكم بها والتحاكم إليها، وهذا الجهل له مظهران:
(1) مظهر روحي شخصي- بفضل الله أمسكناه.
(2) وآخر مدني- مع الأسف فرطنا به وأضعناه، فراح بعضنا يبكيه، والبعض الآخر جاهل به، معرض عنه كأنه لا يعنيه، أو ما يدري هؤلاء وأولئك أن جهلهم بأحكام أدى بهم إلى رهبانية كرهبانية النصارى؛ (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر). فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه، ولا يتناصحون فيما يصلح العباد والبلاد من أمور الحياة كالطب والهندسة، والصناعة، والزراعة، وسائر الخدمات الضرورية، ونتيجة جهلهم بالدين أخرجوها منه قولًا وفعلًا، وحصروه بمظاهر العبادة من صلاة وصيام، وصدقة، وإحسان، بل راح بعض الناس نتيجة جهله ينظر إلى أن كثرة ورود النصوص الشرعية في موضوع ما، وقلتها في موضوع آخر تدل على أهمية هذا على ذاك، وتقديمه عليه لكثرة ما ورد فيه من نصوص؛ كالجهاد في سبيل الله ورد فيه من النصوص الشرعية من القرآن والسنة ما يكاد يساوي أو يزيد على ما ورد في الصلاة والزكاة، مع أنهما من أركان الإسلام، وإذا كانت الصلاة عماد الدين فإن الجهاد فرع عنها لا يصح إلا بها، وأيضًا لو كانت الكثرة والقلة مقياسًا للأهمية لكان السواك للناس أهم من الشورى، ومعرفة المواريث أهم من دراسة الطب، وإعفاء اللحية أولى من الزراعة والصناعة، وهكذا، فالشورى والطب والهندسة والصناعة، والزراعة لم يرد فيها من النصوص الشرعية مجتمعة عشر ما ورد في صدقة التطوع، مع أن تعلم مثل هذه الفنون وتعليمها من فروض الكفاية، لو أجمع أهل بلد على ترك واحد منها وجب على الحاكم الشرعي قتالهم، بخلاف لو تركوا صدقة التطوع، لقد بلغت الحماسة والغيرة عند الشباب مبلغها حتى غطت على العقل والروية- أو كادت- فراحوا يأخذون بفتاوى العلماء السابقين، وكأنهم يعيشون تحت ظل الخلافة الراشدة أو بعدها حين كان هارون الرشيد يخاطب السحابة: (أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك). ونسوا أنهم يعيشون زمن الضعف والفرقة، ففي كل شبر من المعمورة أمير للمؤمنين ومنبر، إن أول ما يصطدم به هؤلاء الشباب إغلاق الحدود أمامهم، فلا يمكن لهم أن يعبروها إلى دولة أخرى دون جواز وتأشيرة، ولن يستطيعوا الحصول عليها إلا بعد تعب واحتيال وتعريض أنفسهم للسجن والتعذيب قبل خروجهم أو بعد عودتهم إن عادوا، وإن كان الأولى عدم الخروج من بلادهم؛ غير أن سجنهم وتعذيبهم لو خرجوا حرام لا يجوز، قد يكون نصرة للعدو وصدًّا عن سبيل الله مؤذنًا بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[الأحزاب: 58]. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ