إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان العمل بالقرائن لإثبات حد الزنا
المجيب
د. يوسف بن أحمد القاسم
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
التاريخ السبت 01 جمادى الأولى 1425 الموافق 19 يونيو 2004
السؤال

في المحكمة الإسلامية، كيف تستطيع المرأة المسلمة أن تدين رجلاً قام باغتصابها؟ هل
لا بد من الشهود، أم تكفي وقائع الجريمة؟.

الجواب

الحمد لله وحده، وبعد:
فقد أجمع أهل العلم بأن الزنا يثبت بالإقرار، أو بشهادة أربعة رجال عدول، وعلى هذا فمن اغتصب امرأة فإنه يثبت عليه الحد بالإجماع إذا أقر باغتصابه للمرأة وزناه بها، أو شهد عليه بذلك أربعة شهود عدول.
فأما إذا لم يكن إقرار ولا شهود، فقد اختلف أهل العلم هل يثبت الزنا (وغيره من موجبات الحدود) بدلالة القرائن عليه، أو ما يسمى بوقائع الجريمة – كما في السؤال – أم لا؟ خلاف على قولين:
القول الأول: أن الزنا يثبت بالقرائن القوية الدالة على وقوعه، كحمل المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، وكإثبات الاغتصاب بوسائل العلم الحديثة، وذلك من خلال فحص مني الرجل وبصماته في المعامل الجنائية، أو من خلال تصوير وقائع الجريمة بآلات التصوير الحديثة... إلخ، وهذا هو قول الزيلعي وابن الغرس والطرابلسي من الحنفية، وابن فرحون والمازري من المالكية، وابن عبد السلام من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة وغيرهم. القول الثاني: أن الزنا لا يثبت بغير الإقرار والشهود، وهذا هو قول الجصاص وابن نجيم من الحنفية، وغيرهما، وعزا غير واحد من المعاصرين هذا القول للحنفية والشافعية، والقول الأول للمالكية والحنابلة ومنهم: الزحيلي في وسائل الإثبات(2/524-525)، وقد نصر ابن القيم – رحمه الله- القول الأول في مواضع من كتبه ومنها- إعلام الموقعين(4/374)، حيث قال: "ولقد حدَّ أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم- في الزنا بمجرد الحبل، وفي الخمر بالرائحة والقيء، وهذا هو الصواب، فإن دليل القيء والرائحة والحبل على الشرب والزنى أولى من البينة قطعاً، فكيف يظن بالشريعة إلغاء أقوى الدليلين" ا.هـ، وما قاله – رحمه الله- قوي، وله حظ من النظر والأثر، وإن كان ما تطمئن له النفس هو القول الثاني، لا سيما مع إمكان التعزير عند عدم ثبوت الحد وبكل حال، فالقول بجواز القضاء بالقرائن مخصوص بالقرائن القطعية التي تقرب إلى حد اليقين، كما مثل بذلك ابن الغرس فيما حكاه عنه ابن نجيم في البحر الرائق(7/205)، أنه قال في إثبات القصاص بالقرائن ما نصه: "والحجة – يعني في القضاء – إما البينة أو الإقرار، أو اليمين أو النكول عنه، أو القسامة، أو علم القاضي بما يريد أن يحكم به، أو القرائن الدالة على ما يطلب الحكم به دلالة واضحة، بحيث تصير في حيز المقطوع به، فقد قالوا: لو ظهر إنسان من دار ومعه سكين بيده وهو متلوث بالدماء، سريع الحركة، عليه أثر الخوف، فدخلوا الدار في ذلك الوقت على الفور، فوجدوا بها إنساناً مذبوحاً لذلك الحين، وهو متضمخ بدمائه، ولم يكن في الدار غير ذلك الرجل الذي وجد بتلك الصفة، وهو خارج من الدار، فإنه يؤخذ به، إذ لا يمتري أحد في أنه قاتله..." ا.هـ.
وعلى هذا فالقرائن الظنية لا يثبت بها الحد على كلا القولين، وكذا القرائن القوية التي لا تنفك عن الاحتمال، ومن ذلك الصور التي يمكن تزويرها أو تركيب بعضها مع بعض، فهذه ونحوها لا يصح أن تكون حجة في إثبات الحد؛ للاحتمال الوارد عليها، وهو شبهة يدرأ بها الحد، وهذا لا ينفي التعزيز إذا قويت التهمة. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ