إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الوتر بعد التراويح
المجيب
د. أحمد بن عبدالرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الجمعة 16 رمضان 1428 الموافق 28 سبتمبر 2007
السؤال

أرجو الإجابة عن هذا السؤال حتى لا تحدث فتنة بين الإخوة هنا:
السؤال عن طريقة صلاة الوتر بعد التراويح، معظم الناس من البلاد العربية يصلونه ركعتين ثم ركعة واحدة وفي الركعة الثالثة بعد قراءة السورة يكبرون ويقرأ الإمام القنوت بصوت مرتفع والمصلين يأمنون. وبعد القنوت يركعون. أما طريقة الأحناف فإنهم يصلون الثلاث ركعات معاً، وفي الركعة الثالثة قبل الركوع يكبر الإمام وكل شخص يقرأ القنوت في سره ثم يكبر الإمام ويركع وهكذا. وكل فئة تدعي أن الفئة الأخرى مخطئة والبعض يقول بصواب كلا الفئتين. والمشكلة كذلك أنه لدينا جماعة واحدة بعد التراويح لصلاة الوتر فمن نتبع من الأئمة؟ أرجو توضيح المسألة بالأدلة وبإسهاب لمنع حدوث فتنة بين الإخوة. جزاكم الله خير الجزاء.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه صلى الوتر على وجوهٍ متعددة، وقد صلَّى ركعة واحدة، وثلاث ركعات، وخمس ركعات، وسبع ركعات، وتسع ركعات، وقد صلَّى الثلاث على صفتين: إما أن يسردها سرداً بتشهد واحد، أو أنه يسلِّم من ركعتين، ثم يصلي واحدة ويسلِّم منها، ولم يكن يصليها كالمغرب –بتشهدين وسلام– بل قد نهى عن ذلك، فقال: "لا توتروا بثلاث تشبهوا المغرب" رواه الحاكم (1/304) والبيهقي في السنن الكبرى (3/31) وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (4/301 ): إسناده على شرط الشيخين.
والأمر في عدد ركعات الوتر واسع، فمن صلى ركعة أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع ركعات فصلاته صحيحة وقد وافق السنة، وقد روى أبو داود (1422)، والنسائي (1710) من حديث أبي أيوب الأنصاري-رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:" الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل"، ولا إنكار في مثل هذه المسألة؛ لأن الأمر فيها واسع ولم يحدد بعدد معين.
أما دعاء القنوت فهو مسنون في الوتر في سائر السنة، ويكون بالدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم سبطه الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، وهو: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت" رواه أبو داود (1425)، والنسائي (1745) والترمذي (464) وقال: هذا حديث حسن. ولا بأس أن يزيد عليه من الدعاء المشروع والطيّب من خيري الدنيا والآخرة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
والقنوت جائز بعد الركوع (ومعناه: أن المصلي إذا انتهى من قراءة السورة يكبر راكعاً، ثم إذا قام شرع في دعاء القنوت، ثم يسجد بعد ذلك)، وقبل الركوع (ومعناه: أن المصلي إذا فرغ من قراءة السورة يبدأ بدعاء القنوت مباشرة من دون تكبير، ثم يكبر بعد ذلك ويركع ويكمل بقية صلاته)، أما بعد الركوع فلما روى مسلم (675-677) من حديث أبي هريرة وأنس –رضي الله عنهما- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع، وأما قبل الركوع فلما روى النسائي (1699)، وابن ماجة (1182)، وغيرهما من حديث أُبي بن كعب-رضي الله عنه- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع، والقنوت بعد الركوع أفضل؛ لأن الأحاديث الواردة في القنوت بعد الركوع أصح، ولأن عمل النبي صلى الله عليه وسلم عليه أكثر، وكذلك كان الخلفاء الراشدون من بعده.
ويشرع رفع الأيدي في دعاء القنوت؛ لأن ذلك وارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قنوته في الفرائض عند النوازل، وكذلك صح عن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- رفع اليدين في قنوت الوتر، وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا باتباعهم-رضي الله عنهم-.
ومما سبق يتبين أن الأمر فيما يتعلق بالوتر وعدد ركعاته وموضع الدعاء فيه واسع، وليس للإنسان أن ينكر على غيره في ذلك؛ لأن الوتر له صفات متعددة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن عمل بأيّ منها فقد اقتدى بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكذلك الأمر في مسألة الجهر بالقنوت أو الإسرار به، حيث اختلف أهل العلم هل المشروع في دعاء القنوت الجهر أو الإسرار؟ فالمختار عند الحنفية، والمالكية أن الإسرار في القنوت هو المشروع؛ لأنه دعاء، والمسنون في الدعاء الإخفاء؛ لقوله تعالى: "ادعو ربكم تضرعاً وخفية" [الأنعام: 63]، والشافعية والحنابلة يرون أن الجهر في القنوت هو المشروع؛ لفعله عليه الصلاة والسلام. ومن فعل أياً من الصفتين فقد أصاب السنة، قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله-: والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه صلى الله عليه وسلم جهر وأسرَّ، وقنت وترك.
وعموماً فإن الواجب على المسلم الحرص على جمع الكلمة ووحدة الصف وعدم الاختلاف، ولا سيما إذا كان الأمر فيه سعة كما في مسألة القنوت، ولذلك فإن الإنسان إذا صلى مع إمام أو مع جماعة فإن الواجب عليه أن يتابعهم وألّا يخالفهم، وإن كانوا يصلون على صفةٍ يرى أن خلافها أفضل، وذلك من أجل جمع الكلمة ووحدة الصف، فمثلاً: إذا كان المصلي يرى أن القنوت بعد الركوع أفضل وصلى مع إمام يقنت قبل الركوع فإن الواجب عليه متابعة الإمام، وهكذا في مسألة عدد الركعات، والجهر بالقنوت أو الإسرار به وما إلى ذلك من المسائل التي ليس فيها تحديد معين كما سبق بيانه.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ