إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حديث: "إنما الشؤم في ثلاثة..."
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاربعاء 27 صفر 1429 الموافق 05 مارس 2008
السؤال

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
لقد وقفت في الأيام الماضية على حديث ورد في السلسة الصحيحة للشيخ الألباني -رحمه الله- المجلد الثاني تحت رقم (788) حديث عن الطيرة والتشاؤم، ومتن الحديث (لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار"، وحسب علمي -البسيط جداً- أنه لا طيرة في الإسلام، والسؤال هنا ما الفرق بين الطيرة والتشاؤم؟ وما تفسير هذا الحديث؟ وكيف يكون التشاؤم من هذه الثلاثة؟ نريد توضيحاً مفصلاً بارك الله فيكم لهذا الحديث.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
الطيرة مأخوذة من زجر الطير، وكان العرب يزجرون الطير والوحش ويثيرونها، فما تيامن منها، أي أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في سفرهم وحاجاتهم، وما تياسر منها، أي أخذت ذات الشمال تشاءموا بها ورجعوا عن سفرهم وحاجتهم، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، ثم استعملوا التطير في كل شيء فتطيروا من الأعور والأبتر وغيرهما.
وأما الفأل، فمعناه التفاؤل مثل أن يكون رجلاً مريضاً، فيتفاءل بما يسمع من كلام، مثل أن يسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته، وقد خص الشرع الطيرة بما يسوء، والفأل بما يسر، وفسر النبي صلى الله عليه وسلم الفأل بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة.
وقد دلت الأحاديث على نفي الطيرة وتحريمها وبطلانها، وأنها من الشرك لما فيها من تعلق القلب بغير الله ومنافاة التوكل، واعتقاد أنها مؤثرة في جلب النفع ودفع الضر، ففي الصحيحين [البخاري ح (5754)، ومسلم ح (2223)] من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه– قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا طيرة وخيرها الفأل" قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم".
وعن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك ثلاثاً" أخرجه أبو داود ح (3411)، وأما حديث: "لا عدوى و لا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة و الفرس و الدار" -فقد أخرجه البخاري ح (5772)، ومسلم ح (2225) من حديث ابن عمر –رضي الله عنهما–، وفي رواية للبخاري ح (5753): "والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة"، وفي رواية أخرى [البخاري ح (2858)، ومسلم ح (2225)]: "إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار"، وفي رواية لمسلم: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة"، وفي رواية أخرى لمسلم: "إن يكن من الشؤم شيء حق ففي الفرس والمرأة والدار".
- وأخرجه البخاري ح (2859) ومسلم ح (2226) من حديث سهل بن سعد الساعدي –رضي الله عنه– أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن".
- وأخرجه مسلم ح (2227) من حديث جابر –رضي الله عنه– عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس".
وقد اختلف العلماء في توجيه هذا الحديث، وأجابوا عنه بأجوبة منها:
1- حمل الحديث على ظاهره، وأنه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاث، ومعنى ذلك أنه ربما لحق الإنسان ضرر وفوات منفعة، ونزع بركة بتقدير الله في سكناه لبعض البيوت، أو في زواجه من بعض النساء، أو امتلاكه لبعض المراكب، فعند ذلك يجد الإنسان في نفسه كراهة لهذه الأشياء عند حصول الضرر، فإذا تضرر الإنسان من شيء، فيشرع له تركه ومفارقته مع اعتقاد أن النفع والضر بيد الله سبحانه وتعالى، وأن هذه الأشياء ليس لها بنفسها تأثير ,إنما شؤمها ويمنها ما يقدره الله تعالى فيها من خير وشر.
وفي حديث أنس –رضي الله عنه– قال: قال رجل: يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى فقلَّ فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذروها ذميمة" أخرجه أبو داود ح (3423)، وقال ابن قتيبة: "وإنما أمرهم بالتحول منها؛ لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال لظلها واستيحاش بما نالهم فيها، فأمرهم بالتحول، وقد جعل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه، وإن كان لا سبب له في ذلك، وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به، وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به" (تأويل مختلف الحديث ص: 99).
قال الخطابي: "اليُمن والشؤم سمتان لما يصيب الإنسان من الخير والشر والنفع والضر، ولا يكون شيء من ذلك إلا بمشيئة الله وقضائه، وإنما هذه الأشياء محال وظروف جعلت مواقع لأقضيته، ليس لها بأنفسها وطباعها فعل ولا تأثير في شيء، إلا أنها لما كانت أعم الأشياء التي يقتنيها الناس، وكان الإنسان في غالب أحواله لا يستغني عن دار يسكنها وزوجة يعاشرها وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو من عارض مكروه في زمانه ودهره أُضيف اليُمن والشؤم إليها إضافة مكان ومحل وهما صادران عن مشيئة الله سبحانه" (أعلام الحديث 2/1379).
2- ومن العلماء من وجه الحديث بأن المقصود بالشؤم ما يكون في هذه الأشياء من صفات مذمومة، فقالوا: إن المراد "بشؤم الدار" ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم، وقيل: بعدها عن المساجد، وعدم سماع الأذان منها وشؤم المرأة: عدم ولادتها، وسلاطة لسانها، وتعرضها للريب، وشؤم الفرس: أن لا يغزى عليها، وقيل: حرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوء خلقه، وقلة تعهده لما فوض إليه.
3- ومن العلماء من وجه الحديث بأن المراد بالشؤم هنا عدم التوافق، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد ح (1445) من حديث سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقوة ابن آدم ثلاثة، من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقوة ابن آدم المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء "وقد أشار البخاري إلى هذا التأويل بأن قرن بالاستدلال بهذا الحديث قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ" [التغابن:14].
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ