إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان صحة حديث المهدي
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ السبت 18 ذو الحجة 1422 الموافق 02 مارس 2002
السؤال
ما مدى صحة الحديث الذي يستشهد بوجوده في الدارقطني : عن محمد بن علي قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – " إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق السموات والأرض، ينخسف القمر لأول ليلة من رمضان وتنكسف الشمس لنصف منه . وهل صحيح أن الأمر تحقق في رمضان 1984م، وما هو اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما يخص المهدي ورفع عيسى - عليه السلام – أمات أم رفع، خصوصاً أن من يعتقد أنـه توفي يستشهد بأن ذلك قول ابن مسعـود – رضي الله عنه –، وشيخ الأزهر، ومحمد عبده، وابن حزم، وغيرهم؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : أقول، وبالله التوفيق :
أولاً : الأثر المنسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( وهو الملقب بالباقر ) باطل النسبة إليه ؛ لأنه من رواية عَمرو بن شِمْر عن جابر بن يزيد الجُعفي، عن أبي جعفر الباقر ، كما في سنن الدارقطني (2/65)، وعمرو بن شِمْر رجل رافضي متروك الحديث مُتهم بالكذب كما تجده في ترجمته في (لسان الميزان) لابن حجـر (4/366-367)، وجابر بن يزيد الجعفي، قال عنه الحافظ : " ضعيف رافضي " (التقريب : رقم 878)، وبذلك تبين أن هذا الأثر لا يصح عن محمد بن علي ، بل هو شديد الضعف عنه، أضف إلى ذلك أنه غير منسوب في سنن الدارقطني إلى النبي – صلى الله عليه وسلم –، وإنما هو منسوب إلى أبي جعفر الباقر نفسه من كلامه هو ، لا من روايته فلو كان – افتراضاً – صحيح النسبة إلى أبي جعفر الباقر فإنه لا يكون حجة، ولا يلزم تصديق خبره، ولا يصح الجزم بصحته .
ثانياً : أما سؤاله عما لو أن القمر انخسف في أول ليلة من رمضان، وأن الشمس انكسفت للنصف منه عام 1984م ( وهي الموافقة لسنة 1404هـ كما ينبغي علينا أن نؤرخ )، فهذا لم يقع لا في هذا العام ولا في غيره من الأعوام ؛ لأن الخسوف القمري لا يكون إلا في وقت الإبدار، وهو الليالي البيض من الشهر القمري، وهي: ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، والكسوف الشمسي لا يكون إلا وقت الاستسرار وهو آخر الشهر القمري ، وهما يوما 28/29 من الشهر ، وعلى ذلك علم الفلك قديماً وحديثاً، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً في (مجموع الفتاوى 24/257)، وما ذُكر من وُقُوع خلاف ذلك في حادثتي موت إبراهيم ابن نبينا – صلى الله عليه وسلم –، وموت الحسين بن علي – رضي الله عنهما – فمما لا يصح من جهة النقل ومن جهة مخالفته للسنن الكونية .
ثالثاً: أما معتقد أهل السنة والجماعة في المهدي ، فهو معتقد مبني على الأحاديث الثابتة في شأنه من النبي – صلى الله عليه وسلم – من كونه سيظهر عند امتلاء الأرض بالظلم رجل من ذرية الحسن أو الحسين ابني علي – رضي الله عنهم – ( وهم عترة النبي – صلى الله عليه وسلم – وذريته ) يوافق اسمه اسم النبي – صلى الله عليه وسلم- ومن صفته أنه أجْلى الجبهة ( أي: أن شعر رأسه منحسر عن جبهته منكشفٌ عنها ) أقنى الأنف ( أي: في أنفه طول مع رقة أرنبته – وهي قمة الأنف – مع حدب وبروز في وسط الأنف ) ،فيبايع بالخلافة ويحكم سبع سنين أو نحوها ، فيكثر الخير والمال في زمنه ، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويخرج الدجال في زمنه، وينـزل عيسى – عليه السلام – في فترة حكمه .
هذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في المهدي ، من زمن الصحابة – رضي الله عنهم – والتابعين وأتباعهم إلى يوم الناس هذا، ولم يخالف أحد ممن يعتد بخلافه في أصل ظهور المهدي حتى لقد صنف العلماء في جمع أحاديثه مصنفات عديدة، ووصفوا أحاديث المهدي بالتواتر .
رابعاً :أما عيسى – عليه السلام – رسول الله وعبده ، فإن الله – تعالى – قد قص علينا من شأنه أصدق القصص وأحسنها ، فقال – تعالى - : " فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا أمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون " إلى آخر الآيات من سورة آل عمران [ 52 إلى 55 فما بعدها ]، وقال – تعالى- في عده لمخازي اليهود وافتراءاتهم على الله ورسله : " وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبَّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شكٍ منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً " [ سورة النساء : 157-159] فقد بين الله – عز وجل – في هذه الآيات أوضح البيان أن عيسى – عليه السلام – لم يُسلط عليه أعداؤه من اليهود وغيرهم بالقتل أو الصلب، بل نجاه الله منهم فلم يصلوا إليه ، وإنما صلبوا شبيهاً له ظنوه أنه هو ، وعندها كان عيسى – عليه السلام - قد طهره الله من ذلك كله ورفعه إليه، وهـذا كله مما أجمع المسلمون عليه .
وإنما وقع الخلاف بينهم في تفسير قوله – تعالى- : " إني متوفيك " هل المقصود بالتوفي هنا الموت أم النوم كما قال – تعالى- : " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها" [الزمر : 42]، وكقوله – تعالى- : " وهو الذي يتوفاكم بالليل "[الأنعام :60]، أم أن المقصود بالتوفي الاستيفاء بمعنى أن الله – عز وجل – رفعه وافياً تاماً من غير أن يُنال بشيءٍ من السوء المراد به، ومع كون القول الأول وهو تفسير وفاته بموته قولاً مرجوحاً، وأن القولين الآخرين أقوى منه وأرجح عند عامة المحققين من المفسرين وغيرهم ، كابن جريرالطبري ( جامع البيان : 6/458)، والواحدي ( الوجيز :1/213)، وابن كثير ( تفسير القرآن العظيم : 2/44) ، إلا أن تفسير الآية به لا يُناقض الإيمان بنـزول عيسى – عليه السلام – آخر الزمان في زمن المهدي وقتاله وقتله الدجال، فالله على كل شيء قدير وما إحياؤه وإنزاله إلى الأرض بعد هذه الأزمنة البعيدة بأغرب ولا أعجب من إبقائه حياً إلى زمن نزوله !! فلا علاقة بين تفسير الآية بأي واحدٍ من الأقوال السابقة والإيمان بنـزول عيسى – عليه السلام – في آخر الزمان ، فقد دل على نزول عيسى – عليه السلام – ثلاث آيات في كتاب الله – تعالى – الأولى : قوله – تعالى- كما في الآيات السابقة : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً"[ النساء:159] ، ومعنى الآية : وما من أحد من أهل الكتاب – اليهود والنصارى – إلا سيؤمن قطعاً وجزماً بعيسى نبياً ورسولاً قبل موت عيسى – عليه السلام – ويوم القيامة يكون شاهداً عليهم أنه قد بَلَّغ الرسالة وأقر بالعبودية على نفسه .
والثانية : قوله – تعالى- : - بعد ذكره عيسى – عليه السلام - : " وإنه لعلم للساعة فلا تَمْتَرُنَّ بها واتبعونِ هذا صراط مستقيم " [ الزخرف : 61]، ومعنى الآية : إن عيسى – عليه السلام – شرطٌ وعلامة من علامات الساعة تُعْلم به ، فسُمَّي الشرط علماً لحصول العلم به .
والثالثة : قوله – تعالى- عن عيسى – عليه السلام - :" يُكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين " [ آل عمران : 46] .
فالله – سبحانه وتعالى – يُعدد خصائص هذا النبي الكريم ألا وهو عيسى – عليه السلام- فذكر من عجائبه كلامه في المهد، ولا شك أنه من الخوارق أن يتكلم الوليد الذي في المهد، ثم ذكر كلامه في سن الكهولة، وسن الكهولة هو: بداية سن ظهور الشيب وقيل هو: ما بعد ثلاث وثلاثين، والكلام في سن الكهولة، لا غرابة فيه ولا يختص ذلك بعيسى – عليه السلام- فدل هذا المساق أن كلامه في الكهولة المقصود في الآية هو عند نُزُوله - عليه السلام-،كما ذهب إلى ذلك بعض السلف وأهل اللغة (تفسير الطبري 6/420) ، و(تهذيب اللغة )للأزهري (6/18)، (وزاد المسير) لابن الجوزي ( 1/390)، وأحاديث نزول عيسى – عليه السلام – من أصح الأحاديث وأثبتها، منها: ما هو في صحيحي البخاري ومسلم اللذين تلقتهما الأمة بالقبول ، وفي غيرهما من صحيح السنة ومشهورها حتى لقد أجمعت الأمة عليه، فلا خلاف في ذلك بين أهل السنة والجماعة بل بين عامة المسلمين .
تنبـيه:
ذكر السائل أن ابن مسعود – رضي الله عنه – كان يرى أن عيسى – عليه السلام- قد مات قبل رفعه، والصواب: أن الذي فسر قوله – تعالى- : " إني متوفيك " بالموت هو ابن عباس – رضي الله عنهما - ، أخرجه الطبري في تفسيره ( رقم 7141) ،وابن حاتم ( رقم 637). وأسأل الله – تعالى – لي وللمسلمين علماً نافعاً وعملاً صالحاً متقبلاً ، والله أعلم ، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

إرسال إلى صديق طباعة حفظ