إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل أصبر وأحتسب أم أدعو وأتداوى؟
المجيب
د. يوسف بن أحمد القاسم
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
التاريخ السبت 21 شوال 1425 الموافق 04 ديسمبر 2004
السؤال

أنا مريض بمرض يهدد حياتي ومستقبلي؛ لأنه مرض يهدد وظائف ونشاط الدماغ، ويستنزف طاقتي الفكرية، فهل أصبر عليه وأحتسب، لما في ذلك من الأجر العظيم، أم أتعالج؟ فقد أغراني حديث المرأة التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم- وهي تصرع، فقال صلى الله عليه وسلم: "أتصبرين ولك الجنة؟" ففضلت الصبر.

الجواب

الحمد لله وحده، وبعد:
فأسأل الله تعالى- العظيم أن يشفيك ويعافيك، إنه سميع مجيب.
ونصيحتي لك أيها الأخ المبتلى أن تسعى في بذل الأسباب الروحية والمادية من أجل صحتك وعافيتك، فاحرص على الرقية بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية، وابذل قصارى جهدك في المعالجة عند طبيب ماهر، وليكن تعلقك قويًّا بالله عز وجل، فهو مسبب الأسباب وبيده الشفاء، وأَلِحَّ بالدعاء على ربك الرحيم الودود، فإنه مجيب لمن أدام قرع الباب، ولا تتأخر في معالجة نفسك، فقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم- أمته بالتداوي عند الحاجة، فقال: "يا عبادَ اللهِ تَدَاوَوْا، ولا تَدَاوَوْا بحرامٍ؛ فإنَّ اللهَ لم يُنْزِلْ داءً إلاَّ أنزَل له دَوَاءً". أخرجه أبو داود (3855)، والترمذي (2038)، وابن ماجة (3436). وقال الترمذي في سننه (4/383): هذا حديث حسن صحيح. ا.هـ، وقال عليه الصلاة والسلام: "الشِّفاءُ في ثلاثةٍ: في شَرْبَةِ عَسَلٍ....". الحديث رواه البخاري (5680) من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما. واحتجم صلى الله عليه وسلم وقال: "إنَّ أفضلَ مَا تَدَاوَيْتُم بِهِ الحجَامَةُ". رواه البخاري (5696) ومسلم (1577)، من حديث أنس، رضي الله عنه. وفي الحديث الآخر، عنه، صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الكَمْأَةُ مِن المَنِّ، ومَاؤها شفاءٌ للعينِ". رواه البخاري (4478)، ومسـلم (2049)، عن سعيد بن زيد، رضي الله عنه، ورقى النبي صلى الله عليه وسلم- نفسه، ورقى أصحابه، رضي الله عنهم، وأمرهم بالرقية. انظر ما رواه البخاري (5016) ومسلم (2192)، من حديث عائشة، رضي الله عنها، وكان يعوِّذ الحسن والحسين، رضي الله عنهما، ويسترقي لهما. انظر ما رواه البخاري (3371)، من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، وأمر عامر بن ربيعة بالاغتسال لسهيل بن حنيف من العين. انظر ما رواه ابن ماجة (3509) وأحمد (15550)، عن أسعد بن حنيف، رضي الله عنه، وقد شكا عثمان بن أبي العاص الثقفي، رضي الله عنه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضَعْ يَدَكَ علَى الذي تَأْلَمُهُ مِن جَسَدِكَ، وقُلْ: بِاسْمِ اللهِ. ثلاثًا، وقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ باللهِ وقُدْرتِهِ مِن شَرِّ مَا أَجِدُ وأُحَاذِرُ". رواه مسلم (2202). وعند الترمذي (2080) وغيره قال له- صلى الله عليه وسلم: "امْسَحْ بيمينِك سبعَ مرَّاتٍ وقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وقُدرتِهِ وسُلْطانِه مِن شَرِّ مَا أَجِدُ". قال عثمان بن أبي العاص، رضي الله عنه: ففعلت فأذهب الله ما كان بي، فلم أَزَلْ آمُرُ به أهلي وغيرهم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِن عَبْدٍ يقولُ في صباحِ كلِّ يومٍ ومساءِ كلِّ ليلةٍ: باسمِ اللهِ الذي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، وهُو السميعُ العليمُ. ثلاثَ مراتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شيءٌ". رواه الترمـذي (3388) وابن ماجة (3869)، عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن تَصَبَّحْ بِسَبْعِ تمراتٍ عَجْوةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذلك اليومَ سُمٌّ ولا سِحْرٌ". رواه البخاري (5445) ومسلم (2047)، من حديث سعد بن أبي وقاص. وكوَى النبي صلى الله عليه وسلم- سعد بن معاذ، رضي الله عنه. انظر ما رواه مسلم (2208)، من حديث جابر، رضي الله عنه... إلخ. كما ورد في السنة من نحو هذا... وأما الحديث الذي أشار إليه السائل: "إنْ شِئْتِ صَبَرتِ ولكِ الجنَّةُ...". فقد رواه البخاري (5652) ومسلم (2576)، وهو دليل، كما قال الشوكاني في النيل(9/93)، على أن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة – لمن احتسب ذلك- وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة، ولم يضعف عن التزام الشدة... ولكن لا أنصح لمن هو في مثل حالك أن يأخذ بجانب الشدة؛ لأمور، منها:
أولاً: لأن مرضك– كما ذكرت- يهدد وظائف رئيسية في بدنك، وربما أفضى ذلك كما تقول إلى تهديد حياتك، وهذا بخلاف المرض الذي لا يؤدي إلى شيء من ذلك، كما في حديث المرأة التي تصرع، مع ما فيه من شدة وألم- أعاذنا الله منه.
ثانيًا: أن تلك المرأة الصحابية الجليلة، رضي الله عنها، قد ضمن لها النبي صلى الله عليه وسلم- الجنة بصبرها على ذلك المرض، وأيُّنا يضمن ذلك لنفسه، ونحن المقصرون المذنبون؟!
ثالثًا: أن المسلم المعافى ربما عمل في حال الصحة، من البر والخير والمعروف، وتحصيل العلم النافع، ونحو ذلك من الأعمال المتعدية، ربما عمل في هذه الحال ما لا يمكن أن يقوم به في حال المرض، لاسيما وأنه ربما لا يصبر على معاناة المرض، وربما حمله ذلك على التسخُّط والجزَع، فيقع فيما لا تحمد عقباه، ونظير هذا: التصدق بجميع المال، فإنه لا يستحب إلا لمن يصبر على الضيق والفقر، ولهذا قبِل النبي صلى الله عليه وسلم- صدقة أبي بكر، رضي الله عنه، حين جاء بماله كله. انظر ما رواه الترمذي (3675) وأبو داود (1678)، من حديث عمر، رضي الله عنه، ولما جاءه رجل بمثل البيضة من الذهب، وقال: يا رسول الله، خُذْ هذه مني صدقةً، فواللهِ ما أصبَح لي مالٌ غيرها. أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه من الشق الثاني فأعرض عنه، ثم جاءه من قبل وجهه، فأخذها منه، فحذفه بها حذفةً، لو أصابه عقره، أو أوجعه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "يَأْتِي أحدُكُمْ إلى جميعِ مَا يَمْلِكُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، ثم يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النَّاسُ!". ثم قال: "إنَّمَا الصدقةُ عَن ظَهْرِ غِنًى". أخرجه ابن حبان في صحيحه (8/165). ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم- لكعب بن مالك، رضي الله عنه، حين قال له: إنَّ مِن توبتي أنْ أَنخَلِعَ مِن مالي. فقال له عليه الصلاة والسلام: "أَمْسِكْ عليكَ بعضَ مالِكَ فهُو خَيْرٌ لَكَ". متفق عليه عند البخاري (2758) ومسلم (2769). قال في عمدة القاري (8/294): وإنما منع النبي صلى الله عليه وسلم- كعبًا، رضي الله عنه، عن صرف كل ماله، ولم يمنع أبا بكر، رضي الله عنه، عن ذلك؛ لأنه كان شديد الصبر، قوي التوكل، وكعب لم يكن مثله. اهـ. فعليك يا أخي الكريم- برخصة الله لك، واستعن بالله، وفضل الله واسع، والله ذو الفضل العظيم. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ