إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل لورقة بن نوفل صحبة؟
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاثنين 05 محرم 1426 الموافق 14 فبراير 2005
السؤال

هل تصح الصحبة لورقة بن نوفل، وقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا). وقال الذهبي [في السير ترجمة سعيد بن زيد]: مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذَّب، يلصق ظهره بالرمضاء وهو يقول: أحد أحد. فقال ورقة: أحد أحد يا بلال، صبرًا يا بلال، لم تعذبونه؟ فوالذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا- يقول: لأتمسحن به- هذا مرسل. وورقة لو أدرك هذا لعد من الصحابة، رضي الله عنهم، وإنما مات الرجل في فترة الوحي بعد النبوة وقبل الرسالة، كما في الصحيح، أرجو إفادتنا بالقول الفصل في صحبة ورقة. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي ابن عم خديجة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ذكره الطبري وابن قانع وابن السكن، وغيرهم في الصحابة، وقال الحافظ العراقي: " ينبغي أن يقال: إن أول من آمن من الرجال ورقة بن نوفل ، لحديث الصحيحين في بدء الوحي " [ ينظر:تدريب الراوي ( 2 / 229 ) ] ، وقد ثبت في الصحيحين [ البخاري ح (4) ، ومسلم ح (160) ] من حديث عائشة – رضي الله عنها- قالت: " فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ "، قال الحافظ ابن كثير: " وقوله: ثم لم ينشب ورقة أن توفي أي توفي بعد هذه القصة بقليل رحمه الله ورضي عنه فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد، وإيمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل " [ ينظر: البداية والنهاية ( 3/9 ) ] ، وقال ابن حجر: " فهذا ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام " وأخرج الإمام أحمد في المسند ح ( 23231 ) من حديث عائشة – رضي الله عنها- : أَنَّ خَدِيجَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَقَالَ: " قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ فَأَحْسِبُهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثِيَابَ بَيَاضٍ " ، قال ابن كثير: " وهذا إسناد حسن، لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلاً "، وفي زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير عن بن إسحاق قال يونس بن بكير عن يونس بن عمرو وهو بن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن جده عن أبي ميسرة - واسمه عمرو بن شرحبيل - وهو من كبار التابعين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت على نفسي فقالت معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فوالله انك لتؤدي الأمانة الحديث فقال له ورقة أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وانك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا وان يدركني ذلك لأجاهدن معك فلما توفي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني ، وفي هذا الإسناد انقطاع، ويعتضد بما أخرجه الزبير بن بكار عن عثمان عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عروة بن الزبير قال: كان بلال لجارية من بني جمح وكانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك فيقول: أحد أحد فيمر به ورقة وهو على تلك الحال فيقول أحد أحد يا بلال والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا، قال الحافظ ابن حجر: " وهذا مرسل جيد يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام حتى أسلم بلال ".[ الإصابة في تمييز الصحابة (6/607) ] ويمكن أن يسلك مسلكان بين الرواية التي تدل على تأخر ورقة حتى دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وما جاء في الصحيح أنه توفي قبل ذلك، أحدهما: أن يرجح ما في الصحيح لأن ما في الصحيح أصح، ويقال: يكفي في إيمانه وتصديقه ما جاء في الصحيح كما تقدم عن الحافظين ابن كثير وابن حجر . ثانيهما: أن يقال بالجمع بين ما جاء في الصحيح وما ورد من تأخر ورقة، وذلك أن يقال: قوله وفتر الوحي ليست للترتيب، قال الحافظ ابن حجر: " فلعل الراوي لم يحفظ لورقة ذكراً بعد ذلك في أمر من الأمور فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى علمه لا إلى ما هو الواقع " [ ينظر: فتح الباري ( 1/27 ) ]، وقد ألف أبو الحسن برهان الدين إبراهيم البقاعي الشافعي تأليفاً في إيمان ورقة بالنبي وصحبته له، قال البغدادي في خزانة الأدب ( 3/391 ) : " ولقد أجاد في جمعه وشدد الإنكار على من أنكر صحبته ، وجمع فيه الأخبار التي نقلت عن ورقة – رضي الله عنه – بالتصريح بإيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وسروره بنبوته، والأخبار الشاهدة له بأنه في الجنة ... " ثم قال البغدادي: " وحاصل ما ذكره البقاعي في شأن ورقة بن نوفل: أنه ممن وحد الله في الجاهلية، فخالف قريشاً وسائر العرب في عبادة الأوثان وسائر أنواع الإشراك، وعرف بعقله الصحيح أنهم أخطئوا دين أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام، ووحد الله تعالى واجتهد في تطلب الحنيفية دين إبراهيم ليعرف أحب الوجوه إلى الله تعالى في العبادة ، فلم يكتف بما هداه إليه عقله، بل ضرب في الأرض ليأخذ عن علمه عن أهل العلم بكتب الله المنزلة من عنده، الضابطة للأديان، فأداه سؤاله أهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم إلى أن اتبع الدين الذي أوجبه الله في ذلك الزمان، وهو الناسخ لشريعة موسى عليه السلام: دين النصرانية، ولم يتبعهم في التبديل، بل في التوحيد، وصار يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي بشر به موسى وعيسى عليهما السلام، فلما أخبرته ابنة عمه الصديقة الكبرى خديجة رضوان الله عليها بما رأت وأخبرت به في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، من المخايل: بإضلال الغمام ونحوها ترجى أن يكون هو المبشر به، وقال في ذلك أشعاراً يتشوق فيها غاية التشوق إلى إنجاز الأمر الموعود، لينخلع من النصرانية إلى دينه، لأنه كان قال لزيد بن عمرو بن نفيل – لما قال لهم العلماء: إن أحب الدين إلى الله دين هذا المبشر به - : أنا أستمر على نصرانيتي إلى أن يأتي هذا النبي ، فلما حقق الله الأمر وأوقع الأرهاصات : بالسلام من الأشجار والأحجار على النبي صلى الله عليه وسلم، وبمناداة إسرافيل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم مع الاستتار منه، وخاف النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فاشتد خوفه، فنقل ذلك إلى ورقة – رضي الله عنه - ، اشتد سروره بذلك وثبته ، وشد قلبه وشجعه ، فلما بدا له الأمر بفراغ نوبة إسرافيل وأتاه جبريل عليه السلام وفعل ما أمره الله به شق صدره الشريف، وغسل قلبه وإيداعه الحكمة والرحمة وما شاء الله ، وتبدى له جبريل، وأنزل عليه بعض القرآن وأخبره به، قف شعر ورقة وسبح الله وقدسه وعظم سروره بذلك ، وشهد أنه الذي أنزل عليه كلام الله ، وشهد أنه نبي هذه الأمة، وتمنى أن يعيش إلى أن يجاهد معه، هذا مع ما له بالنبي صلى الله عليه وسلم وزوجه الصديقة خديجة من عظم القرب والإنتساب الموجب للحب ، رضي الله عنه وأرضاه . " [ ينظر: خزانة الأدب للبغدادي ( 3/391 – 395 ) ].


إرسال إلى صديق طباعة حفظ