إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان احتسى سُماً فمات
المجيب
د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التاريخ السبت 12 رجب 1425 الموافق 28 أغسطس 2004
السؤال

ابن عمي مات بعد أن تناول السم، ففجعنا جميعا، وكان قبل ذلك قد حاول الانتحار ثلاث مرات؛ لأنه كان فاشلاً في عمله ولا ينجح في أي عمل يمارسه، لكن في هذه المحاولة الأخيرة كان هناك سببٌ آخر، قبل سنة من الانتحار كان يخبر باستمرار عن امرأة من الجن تدخل في جسمه في الليل وتمارس الجماع معه، وفي صباح اليوم التالي يغتسل، وكان يخبر أن هذه الجنية كانت تقول إنها ستقتله، لكن والديه وأقاربه لم يصدقوه، ومع ذلك أحضروا شيخاً وأخبروه عن وجود الجن في البيت، وطلبوا منه عمل أشياء كثيرة، فقام بعمل عدة أشياء منها ما هو شرعي وغير شرعي للتخلص من هذه المشكلة، لكنه أخفق، وكان سلوكه مع والديه وأهله في البيت في بعض الأحيان غير طبيعي، ويتكلم بكلام غير اعتيادي، وقبل ثلاثة أشهر من موته كان يتهجد في الليل ويقضي كامل نهاره في الصلاة وقراءة القرآن، وقد كان مسلماً متديِّناً، وليس عنده مشاكل سوى هذه المشكلة، وبعد أن تناول السم وأثناء نقله إلى المستشفى أخبر أمه أنه لا يعرف كيف حصل ذلك وطلب مسامحته، في تلك الليلة تكلم مع والديه وأقاربه بلطف، أما أصدقاؤه فيقولون إنه ليس من النوع الذي ينتحر، وقد كان يحذر كل من يذكر ذلك أمامه، وكانت جنازته جيدة.
سؤالي: هل يمكن للجن مهاجمة أي بيت؟ وهل يمكن لنساء الجن الجماع مع البشر؟ وهل يمكنهم قتل الناس؟ وهل موت قريبي هذا يعد انتحاراً؟ كيف يمكن أن نساعده بعد موته؟ كيف يمكن أن يدخل الجنة؟ هل يمكننا أن ندعو له أو نتصدق عنه أو نحج ونعتمر عنه؟.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فما سألت عنه يمكن الإجابة عنه من جانبين:
الجانب الأول: ما يتعلق بالجن، وهل يمكنهم مهاجمة أي بيت؟ وهل يمكن لنساء الجن جماع البشر؟ هل يمكنهم قتل الناس؟ فنقول لك:
الجن جنس من مخلوقات الله، خلقهم الله لعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الإنس لهذه الغاية؛ حيث قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"[الذاريات: 56]، وقد ورد ذكرهم في القرآن والسنة كثيراً، وورد أنهم أصناف منهم مؤمنون ومنهم كفار، ومنهم عصاة، ومنهم موحدون، إلى غير ذلك من الأحكام والأوصاف المتعلقة بهم.
وأما إمكان مهاجمتهم لبيوت الإنس، فذلك وارد يمكن وقوعه، وقد يقتلون من يقتلون من البشر، إما انتقاماً منه لإيذائه إياهم، وإما بغياً وعدواناً؛ كما يحدث ذلك من البشر فيما بينهم، وتفاصيل ما يمكن أن يقع منهم من المس والأذى، والتلبس، ومشاركة الإنس في طعامهم وشرابهم، و مساكنهم، وما ذكر من أوصافهم كل ذلك موجود في مظانه من الكتب التي عنيت بذلك.
وأما ما سألت عنه من جماع الإنس، فقد ذكر بعض أهل العلم، هذه المسألة واستدلوا على إمكان وقوع النكاح بين الإنس والجن أن حور الجنة قال الله فيهن: "لم يَطْمِثْهُنَّ إنس قبلهم ولا جان" [الرحمن: 56]، وذكر ابن تيمية – رحمه الله في مجموع الفتاوى(19/39)، أن ذلك وارد، وأنه قد يولد بينهما ولد، قال: (هذا كثير معروف),
وعلى فرض وقوعه فقد كرهه جمع من العلماء كالحسن وقتادة، وإسحاق، والإمام مالك – رحمه الله – لا يجد دليلاً ينهى عن مناكحة الجن غير أنه لم يستحبه، وعلل ذلك بقوله: (ولكنني أكره إذا وجدت امرأة حامل فقيل من زوجك؟ قالت: من الجن فيكثر الفساد).
وذهب قوم إلى المنع من ذلك، واستدلوا على مذهبهم بأن الله امتن على عباده من الإنس بأن جعل لهم أزواجاً من جنسهم؛ قال تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" [الروم: 21]، فلو وقع فلا يمكن أن يحدث التآلف والانسجام بين الزوجين لاختلاف الجنسين فتصبح الحكمة من الزواج لاغية، حيث لا يتحقق السكن والمودة المشار إليهما في الآية.
وعلى أية حال فهذه المسألة على القول بوقوعها تعد من شواذ المسائل، ولربما كان من وقعت له مغلوباً على أمره لا يمكنه أن يتخلص من ذلك، والله أعلم.
الجانب الثاني: من سؤالك، وهو ما يتعلق بابن عمك فالذي يغلب على ظني من وصفك لحاله أنه مصاب بمرض نفسي انتهى به إلى ما وقع.
وأما كونه يعتبر منتحراً فهذا يرجع إلى مدى وضعه النفسي والعقلي حينما وقع منه ذلك، وعلى أية حال فهو قد فارق الدنيا وأفضى إلى ما قدم، وما يمكنكم فعله هو الدعاء له والصدقة عنه، ولكم أن تحجوا عنه وتعتمروا؛ فإن ذلك مما ينفعه بعد موته- بإذن الله تعالى- والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ