إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تزويج البكر بغير رضاها
المجيب
سليمان بن إبراهيم الأصقه
نائب رئيس المحكمة العامة في الخرج
التاريخ الثلاثاء 21 ذو الحجة 1425 الموافق 01 فبراير 2005
السؤال

ما حكم تزويج الفتاة من شخص رغمًا عنها؟ مع ذكر الأدلة على ذلك.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، أما بعد:
سؤال السائل فيه إجمال يحتاج إلى شيء من البيان، وهو كما يلي: من شروط صحة النكاح رضا الزوجين، فلا يجوز للأب ولا لغيره من الأولياء أن يزوِّج الثيب البالغة العاقلة الرشيدة إلا بإذنها، فإن فعل فإن للحاكم الشرعي رد نكاحه. أخرج البخاري (6945) عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهَا.
كما أنه لا يجوز لغير الأب من الأولياء تزويج البكر البالغة العاقلة الرشيدة إلا بإذنها، وحُكي في هاتين المسألتين الإجماع، فإن وجد خلاف في ذلك فهو شاذ لا يعتد به، واختلف في تزويج الأب لابنته البكر البالغة العاقلة الرشيدة بغير إذنها، وفي تزويج غير الأب من الأولياء للبكر الصغيرة دون البلوغ.
والراجح في ذلك عندي أنه لا يجوز للأب أن يزوِّج ابنته البكر البالغة العاقلة الرشيدة إلا بإذنها، والدليل على ذلك ما يلي:
أولًا: حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: "أَنْ تَسْكُتَ". أخرجه البخاري (5136) ومسلم (1419) وغيرهما.
ثانيًا: حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحْيِي فَتَسْكُتُ! قَالَ: "سُكَاتُهَا إِذْنُهَا". أخرجه البخاري (6946) ومسلم (1420).
ثالثًا: حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا". أخرجه مسلم (1421). وفي رواية: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا".
رابعًا: حديث عبد الله بن بريدة بن الحصيب، عن أبيه، رضي الله عنهما، قال: جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ. قَالَ: فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ. أخرجـه ابن ماجــة (1874) وأخرجه أحمد (25043) والنسائي (3269)، من حديث عبد الله بن بريدة، رضي الله عنه، عن عائشة، رضي الله عنها، وهو حديث حسن. وهناك أحاديث أخرى بنفس المعنى، وفيما سبق كفاية- إن شاء الله تعالى.
خامسًا: أن الشارع لم يجعل البكارة سببًا للحجر في موضع من المواضع، فجعلُ البكر لا يؤخذ بإذنها في النكاح يُعَدُّ حجرًا عليها، وهو مخالف لقواعد الشرع، إذ إن مناط الحجر هو الصغر أو الجنون أو السفه، وهذه بالغة عاقلة رشيدة.
سادسًا: أن البكر الكبيرة، العاقلة، الرشيدة، لا يجوز لأبيها التصرف في مالها إلا بإذنها في الجملة، ومعلوم أن بضعها أهم من مالها، وأن التصرف في مالها أخف ضررًا عليها من التصرف في بضعها، إذ إن ذلك يعني تزويجها من شخص لا ترغب فيه وتبغضه، وينبغي لها أن ترضى به وتعاشره حياتها، وهذه غاية المضرة بها.
سابعًا: أن من مقاصد الشرع في النكاح حصول الألفة والمودة، وانتظام الحياة بين الزوجين، وكون البكر البالغة، العاقلة، الرشيدة، تُزوَّج ممن لا ترضاه ينافي مقصود الشرع من النكاح، فلا يجوز إذًا، فإن حصل أن زوَّج الأب ابنته البكر البالغة، العاقلة، الرشيدة، فإن لها الخيار في رد ذلك النكاح أو إمضائه عند الحاكم الشرعي، ودليل ذلك ما سبق من حديث عبد الله بن بريدة، رضي الله عنه، عن أبيه، وحديث خنساء بنت خدام، رضي الله عنها. والراجح عندي أيضًا أنه لا يجوز لغير الأب من الأولياء أن يزوج البكر الصغيرة، بل ينتظر حتى تبلغ وتستأذن؛ وذلك لورود النصوص السابقة التي تلزم باستئذان البكر في النكاح، ولا يتحقق ذلك منها في حال الصغر، وليس غير الأب من الأولياء كالأب في شفقته وحنوه على ابنته الصغيرة، ولذا ورد النص بجواز تزويج الأب لابنته البكر الصغيرة من الكفء بدون إذنها وهو تزويج أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، لابنته عائشة، رضي الله عنها، وهي ابنة ست سنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه: البخاري (3894) ومسلم (1422).
والراجح عندي أيضًا جواز تزويج الأب لابنته الصغيرة الثيب، وكذلك المجنونة إذا كانت تميل إلى الرجال ولو بدون إذنهن. وبهذا البيان لعلي أوضحت للسائل ما يريد، وأجبت له عن سؤاله، والله أعلم وأحكم. وصلى الله وسلم على نبينا


إرسال إلى صديق طباعة حفظ