إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل في كرهي للتعدد إساءة للشرع؟!
المجيب
نزار بن صالح الشعيبي
القاضي في المحكمة العامة بمكة المكرمة
التاريخ الخميس 28 صفر 1426 الموافق 07 إبريل 2005
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
أنا زوجة ثانية منذ أكثر من سنتين وقد اخترت ذلك رغبة مني؛ لأني أرى أنه لا يحق لي رفض زوج صالح لأنه متزوج، حيث إن التعدّد جائز في شرع الله، ولا يحق لي الاعتراض، ولكن في الآونة الأخيرة أصبحت أشعر بغيرة قاتلة لأسباب أرى أنه من حقي هذا الشعور، وأصبحت أعيش في عذاب، وأدعو الله أن يفرّج همي، وبدأت أشعر بأن التعدّد لا يفرض على المرأة، وأن النساء يختلفن في تحمله. فهل يجوز لي النظر في التعدد على أنه لا يناسبني؟ وهل من دعاء يخفف من غيرتي؟ وهل أستطيع تخيير الزوج إما أنا أو زوجته الأخرى؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أختي السائلة: قد تضمن سؤالك طلب الجواب عن ثلاثة أمور:
الأمر الأول: قولك هل يجوز لي النظر في التعدد على أنه لا يناسبني؟.
وسوف أجيب على هذا السؤال من خلال النقطتين التاليتين:
أولاً: لا شك أن التعدد مباح ومشروع للرجال بنص القرآن الكريم، قال تعالى: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم" [النساء: 3]، ومن المعلوم أن إباحته للرجال مشروط بالعدل بينهن بنص الآية، وعلى المسلم والمسلمة أن يسلّم بهذه المقدمة، ولا ينازع فيها، قال تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" [الأحزاب: 36].
ثانياً: لا يفهم مما تقدم أن على المرأة أن تزيل ما في قلبها من شعور بالغيرة تجاه زوجها، إذا حصل ما يوجب ذلك؛ لأن هذه فطرة وغريزة قد لا تملك المرأة السيطرة عليها، ولا يفهم أيضاً أن على المرأة أن ترضى بالتعدد على نفسها، فلا تُلام على شعورها بذلك ما دامت لم تتجاوز حدودها التي رسمها لها الشارع، بحيث لا يحملها فرط غيرتها على ارتكاب ما يحرم عليها من سب وشتم للآخرين أو أذية للزوج.
ولقد كانت الغيرة تندلع في قلوب زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خرج من عندها ليلاً، قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: "مالك يا عائشة؟ أغرت؟" فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "أقد جاءك شيطانك"؟ الحديث أخرجه مسلم (2815).
وعن عائشة – رضي الله عنها- أيضاً قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأقول: وتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله –عز وجل- "ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت" [الأحزاب: 51]، قالت: ... والله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك. أخرجه البخاري (4788) ومسلم (1464).
كما تروي لنا عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنها- أيضاً موقفاً من ضرتها صفية –رضي الله عنها- فتقول: ما رأيت صانعاً طعاماً مثل صفية، صنعت لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- طعاماً فبعثت به، فأخذني أَفْكَلٌ فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: "إناء مثل إناء وطعام مثل طعام". أخرجه أبو داود (3568)، والنسائي (3957)، وقال محقق جامع الأصول. إسناده حسن.
وأَفْكَلٌ: الرعدة، والمراد أنها لما رأت حسن الطعام أصابتها رعشة من شدة الغيرة.
وقد ورد عن عائشة –رضي الله عنها- أيضاً كانت تغار من خديجة-رضي الله عنها- لكثرة ما يذكرها النبي –صلى الله عليه وسلم-. أخرجه مسلم (2437).
ومما تقدم وغيره من النصوص وما تمليه الفطرة الإنسانية يظهر بأنه لا حرج من شعور المرأة أن التعدد لا يناسبها إذا كانت تؤمن بأنه شُرِعَ من الحكيم الخبير.
الأمر الثاني: قولك: هل من دعاء يخفف غيرتي؟
فالجواب أني لم أقف على دعاء خاص لهذا الشأن.
الأمر الثالث: هل أستطيع تخيير الزوج، إما أنا أو زوجته الأخرى؟
فالجواب: هذا الطلب حرام؛ لأن فيه إضرار بالغير من غير وجه حق، وقد ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإن لها ما قدر لها" أخرجه البخاري (6601).
ولكن يجوز لها أن تشترط ألا يتزوج عليها قبل أن يعقد عليها، فإن نكث فيحق لها أن تطلب الفسخ لنكثه الشرط، كما يجوز لها أن تطلب منه أن يخالعها بعد أن ترد إليه مهره إذا خشيت ببقائها معه أن تضيع حدود الله –تعالى- بعصيان زوجها ...لفرط غيرتها أو كراهيتها له بدون أن تطلب طلاق ضرتها؛ لقول الله –تعالى-:"فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به"[البقرة: 229]. وعن ابن عباس – رضي الله عنهما- أن امرأة ثابت بن قيس – رضي الله عنهما- أتت النبي –صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله: ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "أتردين عليه حديقته"؟ فقالت: نعم. فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" رواه البخاري (5273) وغيره.
ولكني أنصحها بألا تستعجل باتخاذ هذا القرار إلا بعد استخارة الله –تعالى- واستشارة العقلاء من أهلها واستنفاذ كافة السبل الممكنة لتخفيف غيرتها لعلها تعود إلى دائرة الاعتدال، وأنصحها بصدق الالتجاء إلى الله –تعالى- والإلحاح عليه أن يطمئن ما في قلبها، والله –سبحانه وتعالى- قريب مجيب، وأسأل الله –تعالى –لك التوفيق والسعادة في حياتك الأسرية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ