إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل كان في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم جواسيس؟
المجيب
د. عثمان بن جمعة عثمان ضميرية
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاثنين 18 رمضان 1425 الموافق 01 نوفمبر 2004
السؤال

هل كان في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم- جهاز مباحث عامة؟ وما تفسير الآية: "ولا تجسسوا...؟".

الجواب

الحمد لله، وبعد: فإن الإعداد والاستعداد للجهاد ومواجهة الأعداء يتطلب أن يكون بين يدي القائد معلومات صحيحة صادقة سليمة عن الأعداء من حيث كفاءتهم القتالية، وأسلحتهم، وأساليب قتالهم، ومصادر قوتهم وأهدافهم،… إلى غير ذلك من المعلومات الضرورية من أجل التخطيط للمعركة، وعملية جمع تلك المعلومات تسمى (الاستطلاع)، ويقوم بها عادة أفراد أو دوريات قليلة العدد، يتّسم الواحد منهم بالصبر، والتحمل، والانضباط، والشجاعة، والذكاء، ويحرصون على أداء مهمتهم بسرية تامة ويتجنبون القتال.
وقد كان هذا واقعاً عملياً في حروب النبي – صلى الله عليه وسلم- فقد كان يُعنى أشد العناية بهذه الناحية، وله في ذلك فراسة هي مضرب الأمثال في هذا المجال، ففي غزوة بدر - مثلاً - عندما وجد شيخاً من العرب عند أحد المياه سأله عن قريش وعن محمد، ليعرف الأخبار عن قريش، انظر ما رواه أحمد في مسنده (951) من حديث علي –رضي الله عنه-
وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قد بعث بَسْبَسَ بن عمرو –رضي الله عنه- عيناً (متجسساً ورقيباً) ينظر ما صنعت عِيْر أبي سفيان –رضي الله عنه-، فجاء وما في البيت عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أحد غير أنس بن مالك –رضي الله عنه-، فحدَّثَه الحديث، أي خبر أبي سفيان –رضي الله عنه- والعِيْر، انظر ما رواه مسلم (1901) من حديث أنس –رضي الله عنه-. وعندما عسكر بأصحابه –رضي الله عنهم- عند ماء بدر بعث ثلاثة من رجاله المعتمدين، هم الزُّبَيْرُ بن العوَّام، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وسعدُ بن أبي وقَّاصٍ – رضي الله عنهم-، على رأس جماعة من المسلمين؛ ليستطلعوا جليَّة الأخبار ويعرفوا شيئاً عن مصير قافلة أبي سفيان –رضي الله عنه-، فقبضوا على اثنين من سقاة قريش، جاءوا بهما إلى رسول الله –رضي الله عنه- معتقدين أنهما من أتباع أبي سفيان –رضي الله عنه-، إلا أنهما أكدا انتماءهما للجيش القرشي الذي يعسكر الآن قريباً من المسلمين، تحجبهم التلال والكثبان عنهم، وضربوهما ظناً منهما أنهما يكذبان … وكان صلى الله عليه وسلم يصلي، فلما سلَّم، قال لهم: إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صَدَقا والله، إنهما لِقريش، أخبِراني عن قريش؟ قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعُدْوَة القصوى. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "كم القوم؟" قالا: كثير، قال: "ما عِدَّتُهم؟" قالا: لا ندري. قال: "كم ينحرون من الإبل كل يوم؟" قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: "القوم ما بين التسعمائة والألف"، قال لهم: "فمن فيهم من أشراف قريش؟" قالا: عُتْبَةُ بن ربيعة، وشَيْبَةُ بن ربيعة، وأبو البَخْتَرِيّ بن هشام، وحكيم بن حِزَام، بل إن الاهتمام بمعرفة أخبار العدو، تمتد إلى ما قبل هذه الغزوة حيث كان للنبي –صلى الله عليه وسلم- من يستطلع له أخبار مكة، وهم جماعة بقيادة عمه العباس بن عبد المطلب – رضي الله عنه- الذي كان ـ فيما يبدو ـ يخفي إسلامه، وبشير بن سفيان العَتَكِيُّ، وكانت هذه الجماعة وكأنها تعمل في سرِّية تامة، كانت مثالاً عفاً كريماً لما تذهب إليه، وكانت أعمالها محصورة فيما ينبغي معرفته عن العدو بطرق شريفة لا تتنافى مع الخلق والشرع، ومن ذلك: الإشراف على المؤمنين سراً في مكة، وبث الدعوة سراً، والقيام بمهمة المراسلة، والتبليغ بين المهاجرين في المدينة وذويهم في مكة، وبين النبي – صلى الله عليه وسلم- وبين المؤمنين الأخفياء في مكة، وجمع الأخبار الصادقة وتبليغها للنبي- صلى الله عليه وسلم- بدقة ونظام، وفي غزوة الأحزاب أيضاً أراد – صلى الله عليه وسلم- أن يكشف خبر قريِظة فقد روى البخاري (2846)، ومسلم (2415) من حديث جابر –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "من يأتينا بخبر القوم؟" فقال الزبير-رضي الله عنه-: أنا، ـ ثلاثاً ـ ثمَّ قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: "إن لكل نبي حواريَّاً وحواريَّ الزبير"، ثمَّ ذهب الزبير-رضي الله عنه- إلى قريظة مرتين أو ثلاثاً، بكل حذر؛ حتى لا يعرف أمره أحد، لذلك عندما سأله ابنه عبدالله قائلاً: رأيتك تختلف إلى قريظة؟! قال له رضي الله عنه: أو هل رأيتني يا بني؟ قال: نعم. ولما اشتد الحصار على المسلمين وتمالأت عليهم الطوائف، ثمَّ وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذرت كل طائفة من الأخرى وأرسل الله –تعالى- عليهم الريح، واشتد البرد تلك الليلة، انتدب النبي –صلى الله عليه وسلم- من يأتيه بخبر قريش، فانتدب له حذيفة بن اليمان-رضي الله عنه- بعد تكراره طلب ذلك، وقال له: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يصنعون ولا تحدثن شيئاً حتى تأتينا ، فذهب ودخل ـ في قصة مشهورة تعتبر من أروع الأمثلة في التعرف على العدو واليقظة والحذر ـ فلما قال أبو سفيان، وقتها: يا معشر قريش لينظر كل امرئ مَنْ جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، وفي هذا أكبر التمويه على هذه العملية الفدائية بحق، انظر ما رواه مسلم (1788) ، وأحمد في مسنده (33334) من حديث حذيفة بن اليمان –رضي الله عنه-.
وهكذا كانت عادته عليه الصلاة والسلام في كل غزواته، أن يكثر من العيون التي تأتي له بالأخبار، حتى إنه أمر زيد بن ثابت ت-رضي الله عنه- أن يتعلَّم لغة يهود وكتابتهم، وقال له: "إني لا آمن يهوداً على كتابي"، فلم يمرَّ نصف شهر حتى تعلم لغتهم وكتابتهم، كما في الحديث الذي رواه الترمذي (2715)، وأبو داود (3645) فكان يكتب إلى يهود، وإذا كتبوا إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- قرأ كتابهم، وفي هذا معرفة للعدو وتعرُّف على لغته ليمكن أيضاً الاطلاع على ما يكتبونه وما ينشرونه.
وسئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن الطلائع فقال: بعث النبي –صلى الله عليه وسلم- طليعة. وكلُّ ما كان فيه قوة للمسلمين فله فضل كبير.
ولذلك نصَّ الفقهاء على أنه إذا عاقد الإمام واحداً من الكفار على أن يدلَّه على شيء من أسرار الكفار، أو أن يأتيه بخبر عنهم على أن يعطيه جعلاً على ذلك، فإنه يستحق هذه الجعالة. وهذا كله يدل على أصل عمل الاستخبارات في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومجال ذلك العمل ونطاقه. و لا يتنافى ذلك مع قوله تعالى: "ولا تجسسوا" [الحجرات:12]؛ لأن النهي هنا عن البحث عن عيوب الناس من المسلمين، وعن المستور من أمورهم، وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله منها، والأحاديث الشريفة توضح ذلك وتبينه. والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ