إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل أذهب إلى الفلوجة؟
المجيب
د. عبدالوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ الثلاثاء 03 شوال 1425 الموافق 16 نوفمبر 2004
السؤال

لا يخفى عليكم ما يتعرض له إخواننا العراقيين في الفلوجة من القتل والتدمير والإبادة على يد الأمريكان وحلفاؤهم وإني أشعر بالخجل الشديد أن أبقى بين أهلي بينما إخواننا هناك يقاومون ويقاتلون....
وإني أسألكم بالله أن توجهوني توجيهًا تريدون به وجه الله والدار الآخرة، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، فهل ذهابي إلى الفلوجة خير لي ولهم، أم ماذا؟ أفتوني مأجورين.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإني أعتقد أن الدافع إلى هذه التساؤلات ما في نفوس هؤلاء الشباب من حرارة الغيرة، وشدة الحمية، وأشواق الشهادة، وأحتسب لمن كان كذلك البشرى النبوية "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"، ومن حق هؤلاء أن يصدقوا القول، ويمحضوا النصح، وتستبرأ لهم الذمم في الاجتهاد في بيان وجه الحق، والدلالة عليه، مستهدين الله مستعينين به.
فأولاً: إن مظاهر العدوان الغاشم والاحتلال السافر الأمريكي مستعلنة ظاهرة، وأبلغ من كل بلاغة، وأبين من كل بيان، رؤية المشاهد حية على الهواء، بحيث لا أحسب أن قلبًا فيه إيمان إلا وفيه حزن وألم لما يجري هناك، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
ثانيًا: إن النظرة إلى هذه القضايا وفي ظل هذه الأحداث تؤثر فيها مرارة الألم وحرارة الغضب، إلا أن الانقياد ينبغي أن يكون لدلائل الكتاب والسنة، ومقاصد الشريعة التي جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها، مع فهم الظرف والواقع والمؤثرات الداخلية والخارجية وتداخلاتها، بعيدًا عن الانفعالات الوقتية والاندفاع مع ردة الفعل الآنية.
ثالثًا: أما بالنسبة لذهاب غير العراقيين إلى العراق ودخولهم في القتال فقد سبق بيان الرأي في ذلك منذ بداية العدوان الأمريكي، وأنه ليس من المصلحة في شيء ذهاب جماعات الشباب من هذا البلد أو غيره إلى هناك لاعتبارات كثيرة منها:
أن أهل البلد هم أعرف به، وأحرص عليه، وأدرى بالطريقة المناسبة للتعامل مع المحتل، وأعلم بظروف بلدهم واحتياجاته، ومجيء أطراف من بلدان مختلفة برؤى ومشارب متنوعة هو عامل إرباك وتشتيت، وفي التجارب السابقة في بلدان أخرى عبرة وعظة، ثم إنه وإن كان المحتل واحداً إلا أن خارطة العداوات شائكة وغير واضحة، والقوى المتصارعة أكثر من أن تكون محصورة في المحتل الأمريكي، والذاهب إلى هناك قد يكون مستهدفًا من كثير من هذه القوى، كما أن وجود مقاتلين أجانب في حي أو بلدة سيتحول إلى ذريعة للبطش والقصف والحصار، وربما الإبادة للمدنيين العزل، وليس من السائغ أن تُقدم الذرائع لآلة الموت الأمريكية لتقتيل المدنيين وتشريد المستضعفين، وهذا أمر في غاية الخطورة والأهمية.
لقد كف الله يد نبيه والمؤمنين معه يوم الحديبية عن مشركي مكة من بعد أن أظفرهم عليهم حفاظًا على أرواح بعض المؤمنين المستضعفين المستخفين بمكة أن يصابوا في هذه المعركة بغير علم من المؤمنين "وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ" [الفتح: من الآية25]، وإذا كان هذا الحكم ينزل على جيش يقوده رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ومعه الصحابة رضوان الله عليهم في مواجهة مع أهل مكة وهي بلدهم الذي أخرجوا منه وكانوا أحق بها وأهلها فإنه حكم باق للمسلمين في كل أقطارهم وأعصارهم.
وقد تتابعت فتاوى العلماء وتوجيهاتهم في تحذير الشباب من الذهاب إلى هناك وتبصيرهم بالمفاسد المترتبة عليه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
رابعًا: لابد ـ مع بذل الجهد للوصول إلى الحق في هذه الأمور ـ من اللياذ بالله وسؤاله الهدى والسداد، وأن يهدينا فيمن هدى، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وقد كان من وصاة النبي –صلى الله عليه وسلم- لعلي –رضي الله عنه- "لا تدع أن تقول: اللهم اهدني وسددني، وتذكر بالهداية هداية الطريق وبالسداد سداد السهم".
نسأل الله –عز وجل- أن يهدينا فيمن هدى، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يعيذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين.
للمزيد اطلع على ملف فتاوى عراقية.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ