إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل أيام خلق السماوات والأرض مثل أيام الدنيا؟
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الخميس 14 صفر 1426 الموافق 24 مارس 2005
السؤال

خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، هل هي من أيام الدنيا أم من الأيام المقصودة في قوله تعالى: "وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون".

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد:
جوابا على السؤال (خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام هل هي من أيام الدنيا أم من الأيام المقصودة في قوله تعالى: "وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون"؛ أقول مستعينا بالله العلي العظيم:
تشير الأبحاث العلمية إلى أن تاريخ الكون ضارب في القدم, وأقرب الحسابات هي أن عمره حوالي 12.5 (10-15) بليون سنة, وأن آخر معالم التكوين هي تشكل القشرة الصخرية للأرض واستقرار الجو المحيط بها منذ حوالي 250 مليون سنة, وهكذا تشكل العالم بخلاف ما اعتقد سابقا في بلايين من السنين تكونت فيها لبنات البناء المتسع الأرجاء بالتسلسل إلى أن تشكل أصل كوكبنا مع بقية أفراد المجرة وهو ما يعرف بسديم النظام الشمسي Solar System Nebula منذ ما يزيد عن ثمانية بليون سنة, وبعد ذلك انفصلت كتلة الأرض وتميزت وتقلصت تحت تأثير جاذبية مادتها وتشكلت طبقاتها الداخلية جميعا بنزول أثقل المواد نحو الباطن خاصة الحديد وخروج أخفها ليشكل السطح الصخري والجو منذ ما يزيد عن أربعة بليون سنة تمثل عمرها الجيولوجي, وبذلك يمكن تقسيم مراحل نشأة العالم المحيط بنا إلى ثلاثة أزمنة رئيسية متعاقبة تكونت فيها الأجرام السماوية ثم تكون أصل الأرض ثم تكونت طبقات الجو من دخان تبدد معظمه وتكونت معها أصول الألواح القارية كجزر تمتد وتميد فوق دوامات الصهير إلى أن ثبتتها الجبال, ونصيب الأرض على هذا باعتبار الأصل مرحلتين من الثلاث, فإذا كان خلق العالم كله في ستة أيام - إن شئت أن تعبر بأيام الأسبوع المعهودة عن تلك الأزمنة الهائلة فوق كل التصورات القديمة - فإن خلق الأرض بدون السطح الصخري والجو في يومين ومجموع فترات خلقها أربعة أيام, وتعجب أن تجد تلك الحصيلة العلمية التي اكتشفت وحققت في حوالي ثلاثة قرون تكاد تلمس فحسب بعض جوانب من التفصيل المعجز في قوله تعالى: ]قُلْ أَإِنّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَوَآءً لّلسّآئِلِينَ. ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ. فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىَ فِي كُلّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[ [فصلت 9-12].
فأما السماء التي تلي الأرض في الخلق والنظم فيرشدك إلى تعيينها علميا في هذا المقام قول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (يرحمهم الله أجمعين): "والسماء إن أريد بها الجو المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها, وإن أريد بها (آفاق الأجرام السماوية فهي).. أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقا" [تفسير التحرير والتنوير ج1ص384].
والجو بالنسبة للأرض يصح لغةً أن يسمى سماء, وبالنسبة إلى كل ما يعلوه من وجود مادي يصح وصفه بأنه الأدنى, ونتيجة لتميزه عما نسميه فضاء Space بوجود الهواء يمكن وصفه أيضا بأنه منطقة بينية بين الأرض وكل ما يعلوه, وأما التشبيه بالمصابيح بجامع التوهج فنظيره قوله تعالى: ]وَلَقَدْ زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لّلشّيَاطِينِ[ [الملك: 5].
وقد توصل المحققون أن تلك الأجسام الملتهبة التي شبهت في القرآن بالمصابيح ويمكن أن تسبب ضررا للعابرين ليست إلا الشهب وهي بالقطع ظاهرة ضوئية لا تتجاوز جو الأرض, قال الشوكاني: "المصابيح جمع مصباح وهو السراج.. (و) الضمير في قوله وجعلناها راجع إلى المصابيح.. أي شبها (بدليل قاطع وهو قوله تعالى:).. )إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب( [الصافات: 10]" [تفسير الشوكاني ج5ص260].
وقال الألوسي: و"الشهب شعل نارية" [تفسير الألوسي ج23ص73].
و"هذه الشهب ليست هي الثوابت.. وإلا لظهر نقصان كثير في أعدادها.. (خاصة أن التعبير قد) أفاد أن تلك المصابيح هي الرجوم بأعيانها.. (و) كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض" [تفسير الألوسي ج14ص26].
وقال الثعالبي: "ومعنى السماء الدنيا أي القريبة من الناس" [تفسير الثعالبي ج4ص320].
وهكذا يمكن حمل تعبير (السماء الدنيا) على الجو المحيط بالأرض, وعند التخصيص بالكواكب دون عوالم النجوم العظيمة الأبعاد يمكن حمله على العالم الأقرب من عوالم الأجرام في قوله تعالى: )رّبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبّ الْمَشَارِقِ. إِنّا زَيّنّا السّمَآءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ( [الصافات: 5-6].
وأما التسبيع فهو دلالة على الطبقية؛ وتلك حقيقة علمية توافق ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن التسبيع ها هنا على العرف في الدلالة على التعدد والتكامل لا على التعيين, ولكن العدد لا يأباه العلم باعتبار ثلاث طبقات بينية بين الأربعة الرئيسة وهو الموافق إلى ما ذهب إليه جل المفسرين, وأما الستة أيام في بيان خلق الكون المشاهد أو بالأحرى الممكن المشاهدة فقد ورد ذكرها في سبعة مواضع أولها على حسب ترتيب النزول قول جامع يكشف العلم بخفايا التكوين ويعالج توهم في الدين ما عاد بالإمكان حذفه من المدونات الأسبق؛ وهو قول العلي القدير: ]وَلَقَدْ خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَمَا مَسّنَا مِن لّغُوبٍ[ [ق: 38].
وهو بالمثل قائم على التقريب والتمثيل بالمعهود لأنه لا وجود للأيام قبل خلق الأرض والشمس, قال القرطبي: "إن لم يكن شمس فلا يوم" [ تفسير القرطبي ج7ص219].
وقال ابن عطية: "قال أكثر أهل التفسير الأيام هي من أيام الدنيا" [تفسير المحرر الوجيز ج3ص152.].
وقال الشوكاني: "ولا يستقيم أن يكون المراد بالأيام هنا الأيام المعروفة.. لأنه لم يكن حينئذ لا أرض ولا سماء" [تفسير الشوكاني ج2ص482.].
وقال الألوسي: "المفسرون قالوا المراد بالأيام الأوقات" [ما دل عليه القرآن ج1ص46].
فالتعبير إذن تمثيل والمراد أزمنة متتابعة كالأيام تميزها ثلاث مراحل, وأما إتيان الأرض وما يحيط بها فهو مشهد يكشف تلازم حركة الجو مع الكوكب وفق تقدير بعد مرحلة معدومة التلازم مما يعني تبدد الكثير من الجو, وتلك حقيقة علمية مبهرة جسدها التعبير بالتصوير, وترتيب الأحداث مطابق تماما لما كشفه العلم؛ كما في قوله تعالى: ]ءأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعاً لّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ[ [النازعات:27-33].
وهكذا يتجلى كل حين العلم في القرآن الكريم بخفايا التكوين بضرب الأمثال للمجهول زمن التنزيل بالمعلوم لتشع دلائل التنزيل بنور اليقين في صدور النابهين, يقول العلي القدير: ]لَوْ أَنزَلْنَا هَـَذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ جَبَلٍ لّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ[ [الحشر: 21]. هذا والله جل جلاله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ