إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الحلف على الكذب درءًا للفتنة!
المجيب
د. محمد بن إبراهيم الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التاريخ الثلاثاء 09 رجب 1436 الموافق 28 إبريل 2015
السؤال

السلام عليكم.
هل يجوز لي أن أحلف بالله كاذبًا لمنع حدوث فتنة وعنف جسدي بين جماعتين مسلمتين؟

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن الكذب محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكذب لأجل الإصلاح بين المسلمين فقد جاء فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَيْسَ الكذَّابُ الذي يُصلِحُ بين النَّاسِ فَينْمِي خيرًا أو يقولُ خيرًا". أخرجه البخاري في كتاب الصـلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، حـديث رقـم: (2692) من فتح الباري، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الكذب منه. قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذبًا إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها.
حكى النووي- رحمه الله- عن القاضي- من الشافعية- الإجماع على جواز الكذب في هذه الصور، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها؛ ما هو؟ فقالت طائفة: هو على إطلاقه. وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة، وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة. واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)[الأنبياء:63]. وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ)[الصافات:89] وقوله: إنها أختي .
وقول منادي يوسف-صلى الله على نبينا وعليه: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) [يوسف:70]. وقال آخرون، منهم الطبري: لا يجوز الكذب في شيء أصلاً. قالوا: وما جاء من الإباحة في هذا فالمراد به التورية واستعمال المعاريض، لا صريح الكذب، مثل أن يعد زوجته أن يحسن إليها ويكسوها كذا، وينوي إن قدر الله ذلك، وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه، وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلامًا جميلاً ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك وورّى.....إلخ، وأجابوا عن قصة إبراهيم ويوسف- عليهما الصلاة والسلام- وما جاء من هذا، على المعاريض. ينظر شرح النووي على صحيح مسلم(16/157،158)، وفتح الباري(5/369).
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد- رحمه الله- هل إباحة الكذب في هذه الثلاثة على التورية أو مطلقًا؟ على روايتين: إحداهما أنه على الإطلاق. وهي ظاهر كلام الأصحاب، لأن التعريض جائز في غير هذه الثلاثة بلا حاجة للاستثناء، فلا وجه إذًا لاستثناء هذه الثلاثة واختصاص التصريح بها، والثانية أن المراد التورية وليس الكذب الصريح. ينظر في هذا: الآداب الشرعية لابن مفلح (1/25).
والذي يظهر لي أنه إن أمكنه استخدام المعاريض وترك الكذب الصريح فهو الأولى خروجًا من الخلاف، ولو حلف على ذلك لم يكن به بأس؛ لأنه ليس بكذب محض وإنما جاء بكلام هو في نفسه صدق لكون الكلام يحتمله.
وإن تعذر وكذب لأجل الإصلاح فالإصلاح بين المسلمين مصلحة شرعية لعموم قوله تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.....)الآية [الحجرات:9]. لكن هل يحلف على الكذب الصريح الذي فهمته من كلام العلماء أنه لا يحلف. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ