إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان أسانيد (تاريخ الطبري)
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاربعاء 18 شوال 1425 الموافق 01 ديسمبر 2004
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل كل الأسانيد والأحاديث الواردة في كتاب الإمام الطبري (تاريخ الأمم والملوك) صحيحة؟ إن كان قليل منها غير صحيح أو أقل من مرتبة الصحيح فكيف أتأكد وأعرف ذلك؟ سبب سؤالي هو أني قرأت في المجلد الأول للطبري فوجدت أسانيد للصحابي الجليل عبدالله بن العباس، رضي الله عنهما، ولكعب الأحبار قد أثارت الشك لدي، بالذات حينما قرأت في فصل خلق الأرض والشمس والقمر, والعين الحمئة. ونترك لسماحتكم الإجابة, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله. وبعد:
محمد بن جرير الطبري ( 224 - 310 هـ ) أحد الأئمة المشهورين في التفسير والفقه والتاريخ، واشتهر بكتابيه في التفسير والتاريخ، وكتابه في التاريخ من أوسع الكتب التاريخية وأكثرها شمولاً للأحداث والوقائع، ولم يلتزم الصحة فيما يذكره من الروايات والأخبار، ولكنه أوردها مسندة وترك الحكم للقارئ، على منهج وطريقة: العهدة على الرواة، ومن أسند فقد أحال. قال في مقدمته: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا. ينظر: تاريخ الطبري ( 1/8 ) . وقد وقع في تاريخه كثير من الأخبار الواهية والإسرائيليات المنكرة، والأحاديث الموضوعة والضعيفة، ونجد في تاريخ الطبري الاعتماد على كتب الأخباريين المطعون في عدالتهم والمتكلم فيهم، من أمثلة: سيف بن عمر التميمي ( ت 170 هـ ) ، وأبي مخنف لوط بن يحيى ( ت 157 هـ )، وعلي بن محمد المدائني ( 225 هـ) ، ومحمد بن عمر الواقدي ( 207 هـ ) ، وغيرهم، ويصعب التعامل مع تاريخ الطبري لغير المتخصصين الذين يستطيعون التمييز بين صحيح الأخبار وسقيمها، ولهذا أنصح السائل أن تكون مطالعته في كتاب البداية والنهاية للحافظ ابن كثير لعنايته بانتقاء الروايات والأخبار ونقد المرويات، حيث ذكر منهجه في مقدمته ( 1/ 6 )، قال: أما بعد: فهذا كتابٌ أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسَّره الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدأ المخلوقات من خلق العرش والكرسي والسموات والأرضين وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين، وكيفية خلق آدم عليه السلام وقصص النبيين، وما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل، وأيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة إلى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، فنذكر سيرته كما ينبغي فتشفي الصدور والغليل وتزيح الداء عن العليل، ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ثم البعث والنشور وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك وما في ذلك اليوم وما يقع فيه من الأمور الهائلة، ثم صفة النار ثم صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام، ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب مما فيه بسط لمختصر عندنا أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما صح نقله أو حسن، وما كان فيه ضعف نبينه، وبالله المستعان وعليه التكلان.
وأُرشد السائل أيضًا إلى العناية بكتب السنة مثل الكتب الستة ومسند أحمد ولاسيما الصحيحين، مع الرجوع إلى شرحيهما مثل فتح الباري للحافظ ابن حجر، وشرح النووي على مسلم، وأما من أراد دراسة أسانيد تاريخ الطبري فعليه الرجوع إلى كتب الرجال لمعرفة مراتبهم ومنزلتهم، وكتب الرجال كثيرة، منها المتقدمة والمتأخرة، ومنها المطولة والمختصرة مثل: التاريخ الكبير للبخاري، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، طبقات ابن سعد، كتاب الثقات لابن حبان، والمجروحين له، الكامل لابن عدي، الضعفاء الكبير للعقيلي، الميزان للذهبي، تهذيب الكمال للمزي، وتهذيب التهذيب لابن حجر، وغيرها من الكتب التي صنفت في الرجال، ويمكن الاستفادة في البحث عن الرجال من برامج الحاسب مثل: المكتبة الألفية، الموسوعة الذهبية، موسوعة الكتب التسعة، وعلى الدارس للأسانيد التأكد من مواضع الاتصال والانقطاع، وذلك بالرجوع إلى كتب المراسيل مثل: المراسيل لابن أبي حاتم، جامع التحصيل للعلائي، وغيرهما، وعليه أيضًا الرجوع إلى كتب العلل للنظر في المحفوظ من الروايات وغير المحفوظ، وعلى كل حال فدراسة الأسانيد فن له أصوله وقواعده، ويمكن الاستفادة من الكتب التي ألفت في هذا الفن، وهي متوفرة في المكتبات، ويوجد لأساتذة الجامعات مذكرات في هذه المادة حيث إن مادة دراسة الأسانيد تدرس في كليات أصول الدين، وفي برنامج الماجستير والدكتوراه في تخصصات السنة وعلومها. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ