إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الآيات التي نزلت في عرض قريش على النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك دينه
المجيب
عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالرياض
التاريخ السبت 28 شوال 1425 الموافق 11 ديسمبر 2004
السؤال

السلام عليكم.
سمعت في إحدى المحاضرات أن الآيات التالية نزلت عندما جاء كفار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرضون عليه التخلي عن دينه، وقت مقاطعة قريش حين اضطر المسلمون لأكل ورق الشجر، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لن يقبل منهم حتى لو وضعوا الشمس في يد والقمر في اليد الأخرى، وهذه الآيات هي الآيات [74- 75 من سورة الإسراء]. فهل صحيح أنها نزلت في هذا الشأن؟ وقد قرأت في مكان آخر أن سورة الكافرون هي التي نزلت في هذا الخصوص. أرجو التوضيح. قال تعالى: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا).

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الذي ظهر لي من قراءة أسباب النـزول في كتب التفسير: أن آية الإسراء: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّتَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74) ). ليس فيها سبب نزول
محدد، بل تعددت الروايات وبعضها ليس له إسناد فليس له اعتبار، ولم يكن في الآية ما يدل على أحدها، فبقيت على الاحتمال.
قال ابن جرير- رحمه الله- بعد ذكر الروايات: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره- أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أن المشركين كادوا أن يفتنوه عما أوحاه الله إليه ليعمل بغيره، وذلك هو الافتراء على الله، وجائز أن يكون ذلك ما ذكر عنهم من ذكر أنهم دعوه إلى أن يمس آلهتهم ويلم بها، وجائز أن يكون ذلك ما ذكر عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أمر ثقيف ومسألتهم إياه ما ذكرنا، وجائز أن يكون غير ذلك، ولا بيان في الكتاب ولا في خبر يقطع العذر أي ذلك كان، والاختلاف فيه موجود على ما ذكرنا، فلا شيء فيه أصوب من الإيمان بظاهره حتى يأتي خبر يجب التسليم له ببيان ما عني بذلك منه). ابن جرير 15/20.
وأما السيوطي فقد ذكر أن ابن مردويه وابن أبي حاتم أخرجا من طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن ابن عباس، رضي الله عنهم، قال: خرج أمية بن خلف وأبو جهل بن هشام ورجال من قريش فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، تعال فاستلم آلهتنا وندخل معك في دينك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرقّ لهم، فأنزل الله: (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ. . .) إلى قوله: (نَصِيرًا)[73- 75]. قال السيوطي: هذا أصح ما ورد في سبب نزولها وهو إسناد جيد وله شاهد. وذكر أن أبا الشيخ أخرج عن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر فقالوا: لا ندعك تستلم حتى تستلم آلهتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ومَا عَلَيَّ لَو فَعَلْتُ، واللهُ يَعْلَمُ مِنِّي خِلَافَهُ". فنزلت. أخرجه ابن جرير 15/13. وأخرج نحوه عن ابن شهاب وأخرج عن جبير بن نفير: أن قريشًا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت أرسلت إلينا فاطرد الذين اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم فنكون نحن أصحابك. فركن إليهم، فنزلت. لباب النقول 139. ومحمد بن أبي محمد مجهول، وقال ابن الجوزي في زاد المسير 5/68،67: هذا باطل، وأما ما أخرجه أبو الشيخ فلا نعرف إسناده وفي متنه غرابة. فالله أعلم. وأما سورة الكافرون: فالسورة تدل على أنهم طلبوا عبادة آلهتهم وهم سيعبدون آلهة محمد صلى الله عليه وسلم وليس ذلك في سورة الإسراء، ومن نزلت فيهم الآيات قد سبق في علم الله تعالى- أنهم سيبقون على الكفر حتى يموتوا، أو أن من أسلم منهم يخرج من وصف الكفر المذكور في السورة، وهو الأقرب.
وأورد ابن جرير في سبب نزول سورة الكافرون روايتين:
الأولى: قال في تفسيره (30 / 331): حدثني محمد بن موسى الحرشي قال: حدثنا أبو خلف قال: حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهم: إن قريشًا وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح. قال صلى الله عليه وسلم: "مَا هِيَ؟". قالوا: تعبد آلهتنا سنة- اللات والعزى- ونعبد إلهك سنة. قال: "حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَأتي مِن عندِ رَبِّي". فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: (قل يا أيها الكافرون) السورة. وأنزل الله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ...)إلى قوله: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ)[الزمر64-66].
وضعف الطبراني في معجمه الصغير (ج:2 ص:44 ح751) ما رواه بإسناد الطبري نفسه فقال: لم يروه عن داود بن هند إلا عبد الله بن عيسى، تفرد به محمد بن موسى، وخالف ما عليه الثقات، وأحاديثه أفراد كلها، وضعفه الحافظ في الفتح 8/733.
والثانية: قال الطبري: حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق قال: حدثني سعيد بن ميناء مولى البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت منه بحظك. فأنزل الله: (قل يا أيها الكافرون) حتى انقضت السورة.
قلت: سعيد بن مينا تابعي ولم ينسب سبب النزول عن الصحابي، رضي الله عنه، ولم يعتضد برواية أخرى عن تابعي مثله فيكون سبب النزول مرسلًا ضعيفًا.
ولم أقف على سبب نزول صحيح في سورة الكافرون. فالله أعلم.
وأما أن حصار النبي صلى الله عليه وسلم في الشعب كان بعده نزول سورة الكافرون فلم أقف عليه مطلقًا.
والذي ينبغي على طالب العلم في التعامل مع أسباب النزول أن يكون بتوثق وتحرّ كبيرين؛ لأن سبب النزول له حكم الرفع، ولا يعتبر سبب النزول عن الصحابي إلا إذا كان بإسناد صحيح، وبصيغة صريحة، ولا يعتبر سبب النزول عن التابعي إلا بأربعة شروط: صحة الإسناد، والصراحة في السببية، وأن يعرف التابعي بالأخذ عن الصحابي، وأن يعتضد برواية تابعي آخر. وينظر في تقرير ذلك كتب علوم القرآن. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ