إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان شبهات حول نزول المسيح آخر الزمان
المجيب
خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ السبت 13 ذو القعدة 1425 الموافق 25 ديسمبر 2004
السؤال

أحد المنكرين لرجوع عيسى (عليه السلام) في آخر الزمان أرسل إليّ رسالة طويلة فيها شبهات تقلقني ولا أستطيع الرد عليها. أرجو من فضيلتكم أن تجيبوا عن هذه الشبهات. ومنها: فهم المسلمون من كلمة رفع معناها الحرفي في الحديث بخصوص النـزول الثاني المسيح (عليه السلام) وتشكيل معتقدات لا أساس لها عن هبوطه في دمشق وتجهـيز الجيش لحرب الدجـال و 70 ألفًا من القوات اليهودية وفرار هذه القوات من المسيح ثم تعقب المسيح للدجال وقتله له في معركة اللد. ثم ذبح كل يهودي على وجه الأرض (برغم "لا إكراه في الدين" و تحريم قتل المدنيين) فكيف ينسب المسلمون القتل العلني لرجل راشد صالح؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد..
أما عن رفع المسيح عليه السلام ومن ثم نزوله في آخر الزمان فالأصل في ذلك ما جاء في ظاهر الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم- انظر صحيح البخاري (2222) ومسلم (155)- وتصديق ذلك فرع عن صدق المُخبِرِ به وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي ثبتت نبوته بنفس الأدلة التي ثبتت بها نبوة الأنبياء قبله، كما قال تعالى: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ)[الأحقاف: 9].
والمعتقدات وما يحصل يوم نزول المسيح مما يؤمن به المسلمون ليس أغرب مما يؤمن به النصارى في نهاية العالم مما هو مدون في سفر رؤيا يوحنا، بل غالب سفر رؤيا يوحنا في ذكر مثل هذه الحكايات، فإذا كان ذلك معقولًا؛ فما يعتقده المسلمون في أخبار المسيح بعد نزوله من باب أولى.
أما عن قتال المسلمين لليهود فما جاء به الحديث أنه: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ". أخرجه مسلم (2922). وليس في الحديث إفناء اليهود من على وجه الأرض، والتقيد بظاهر الحديث أولى.
أما عن القول في قول الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)[البقرة: 256]. فهذا في وقت الدعوة، والنص الذي فيه قتال اليهود يبيّن أن القتل سيقع في معركة بين اليهود والمسلمين، كما يعتقد النصارى الإنجيليين بمعركة (هيرمجدون) في آخر الزمان، ووقت الإعذار انتهى ولم يبق لأحد عذر.
أما كون القتل ينسب إلى رجل صالح كالمسيح فليس فيه إشكال لأن المسيح مأمور بذلك من عند الله، وهذا ليس بأقل مما ورد في الكتاب المقدس من نسبة القتل، بل الإسراف فيه، إلى رجل صالح أيضًا كيوشع وداود وغيرهم، فعلى سبيل المثال:
في سفر التثنية (13: 20، 16 ) يقول الرب في وصاياه لليهود في محاصرة المدن: (وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًّا التي ليست من مدن هؤلاء هنا. وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة ما).
وكما يذكر سفر أشعيا (13: 15، 16 ) بقوله: (كل من وجد يطعن وكل من انحاش يسقط بالسيف. وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم).
وتبلغ الوحشية مداها في قمع داود للموابيين في أرض بني عَمون بعد أن هدم المدينة فقد ذكر سفر أخبار الأيام الأول عن داود ( 20: 2، 3): ( وأخرج غنيمة المدينة وكانت كثيرة جدًّا. وأخرج الشعب الذين بها ونشرهم بمناشير ونَوارِج حديد وفؤوس، وهكذا صنع داود لكل مدن بني عمون ُثم رجع داود وكل الشعب إلى أورشليم).
فكيف ينسب النصارى في كتابهم المقدس هذه الأعمال الوحشية إلى رجال صالحين بل أنبياء مرسلين من عند الله !!
وأيًّا كان ذلك ليس بأقل مما ورد في الكتاب المقدس من الدينونة على يد المسيح نفسه عندما يرجع في نهاية العالم ليدين الخلائق- على حسب معتقدات النصارى- فقد جاء في سفر متى ( 27: 16 ): (فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله). ويصف يوحنا كيفية هذه الدينونة وكيف يدين المسيح الخلائق، فقد جاء في سفر رؤيا يوحـنا: (13: 20 ـ 15): ( ورأيت الأموات صغارًا وكبارًا أمام الله، وانفتحت أسفار، وانفتح سفر آخر وهو سفر الحياة، ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه، وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما، ودينوا كل واحد بحسب أعماله. وطرح الموت والهاوية في بحيرة النار. هذا هو الموت الثاني. وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طرح في بحيرة النار).
فإذا كان هذا عمل المسيح في نهاية الزمان وآخر العالم؛ فأيهما أحسن حالًا؛ مَن يجبر الناس على الدخول في دينه- على فرض القول بذلك- حتى يتمتعوا بالنعيم ويسلموا من العقاب، أو مَن لا يجبر أحدًا على الدخول في دينه لكنه يفاجئه يوم الدينونة بالعقاب والعذاب والشقاء الأبدي؟
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ