إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل ابتلاء الخلق يعارض الرحمة؟
المجيب
د. محمد بن عبدالله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ السبت 18 جمادى الأولى 1426 الموافق 25 يونيو 2005
السؤال

كيف نربط بين علم الله الأول بخلقه ورحمته وعدله وعذابه ؟ وكيف نفسِّر رحمة الله وعدله، وهو إنما خلق العباد ليبتليهم، وهل الرحمة تعارض ابتلاء الخلق؟.

الجواب

يا أخي: ينبغي أن تعلم أصولاً في هذه المسألة:
الأول: أن كل ما يقع في هذا الكون من أفعال الله –تعالى-، ومن أفعال العباد، والتي هي بمشيئة الله –تعالى- جميع ذلك مرتبط بالحكمة التامة، فمشيئته تابعة لحكمته، فهو سبحانه أحكم الحاكمين، وهو يحكم لا معقب لحكمه.
الثاني: أن الله –تعالى- عدل يحب العدل، وعدله تعالى تام في أحكامه وأفعاله وقضائه، ولا يظلم ربك أحداً لكمال عدله سبحانه.
الثالث: أن أفعال الله –تعالى- لها غايات، وحكم، وعلل لا تعود إلى ذات المخلوق، ونظره وقياسه، بل هي عائدة وراجعة إلى علم الله –تعالى-، لم يوجب العباد عليه شيئاً، ولا يقاس الخالق بخلقه، لا قياس شمول ولا قياس تمثيل، وبالتالي فمنتهى رحمته هو منتهى علمه، قال تعالى: "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً"[غافر:7]،
ووجه رحمته كما يكون في من يثيبهم يكون أيضاً فيمن يعذبهم بعدله، ولا منافاة بين الرحمة والعدل، ألا ترى أن إيقاع العذاب والقصاص في الدنيا على من يستحقه هو عدل وكمال، وهو أيضاً رحمة له بالتطهير، ولغيره بكف شره، واستيفائهم حقهم منه، يقول ابن تيمية –رحمه الله-: (ومسألة غايات أفعال الله ونهاية حكمته مسألة عظيمة، لعلها أجل المسائل الإلهية). منهاج السنة (3/39).
ويقول ابن قتيبة –رحمه الله-: (وعدل القول في القدر أن تعلم أن الله عدل لا يجور: كيف خلق؟ وكيف قدَّر؟ وكيف أعطى؟ وكيف منع؟ وأنه لا يخرج من قدرته شيء، ولا يكون في ملكوته من السماوات والأرض إلا ما أراد، وأنه لا دين لأحد عليه ولا حق لأحد قبله، فإن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل).الاختلاف في النظر لابن قتيبة (ص 35).
الرابع: أن منشأ ضلال الخائضين في القدر هو التسوية بين الإرادتين الكونية والشرعية، حيث اعتقدوا أن كل ما شاءه وقدَّره فقد أحبه ورضيه، فنفت الجبرية لذلك أفعال العباد، وسلبتهم الحرية والاختيار.
ونفت القدرية قدرة الله، وتقديره لأفعال العباد؛ لئلا يقع ويصدر منه تعالى الشرور والمعاصي التي هي أفعال العباد، وهذا غاية التحريف والانحراف في هذه المسألة الجليلة. وأهل السنة قاطبة على أنه تعالى خلق الأشياء كلها وقدَّرها، وأرادها، فأحب الطاعات والإيمان، والخير، وكره الكفر والفسوق والعصيان، قال تعالى: "إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم"[الزمر:7]، وقال: "هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن"[التغابن:2].
الخامس: أن أصل ضلال الخلق هو طلب تعليل أفعال الرب بعلل وحكم راجعة إليهم يحكمونها بآرائهم وأقيستهم العقلية، فما يرونه مجانباً للعدل في عقولهم يعللون؟ بوجوبه على الله تعالى، وأن عليه أن يفعل الأصلح، ومن هنا صار عامة القدرية الخائضين في القدر على طريقة التعليل صاروا مشبهة في الأفعال، يقول ابن تيمية – رحمه الله- في تائيته المشهورة: (وأصل ضلال الخلق من كل فرقة، هو الخوض في فعل الإله بعلّة).
السادس: أن الحكمة تابعة للعلم والقدرة، فمن كان أعلم وأقدر كانت أفعاله أحكم وأكمل، والرب –تعالى- منفرد بكمال العلم والقدرة، فحكمته متعلِّقة بكل ما تعلّق به علمه وقدره، كما سبق ذلك في الأصل الأول.
السابع: أنه لا يلزم من أثبت تعليل أفعال الله بالحكم والمصالح أن يعلم علة كل فعل وأمر، بل عليه أن يعتقد أن لله –تعالى- في جميع أفعاله حكماً جليلة – ظهرت لنا أو خفيت- فالله –تعالى- لم يطلع خلقه على جميع حكمه، بل أعلمهم بما شاء، وما خفي عليهم أكثر مما علموه.
ومن هذه الأصول وغيرها يتبين لك – أخي- أنه لا تضاد بين علم الله وقدره، وبين رحمته وعدله، وكون هذا من الغيب أو لا – كما في سؤالك-، فأقول لك: رحمة الله وعدله آثارها وأسبابها ودلائلها ليست غيباً، بل هي معلومة لنا في القرآن والسنة، وهي داخلة ضمن ما أمرنا بتدبره، وكذلك أسماء الله وصفاته ما يتعلق بمعانيها ودلالاتها، ومعرفة الله وعبادته بمقتضاها هي من الوجه المعلوم لنا، والمذكور في دلائل القرآن والسنة.
أما الكيفيات لما سبق وتفاصيل الحكم والعلل والغايات، فهو ما لم نؤمر بمعرفته وتطلبه، بل بالعكس جاءت الأدلة بالمنع من ذلك، لا لأن العقل يحكم باستحالته وانتفائه وامتناعه، ولكن لأن العقل يحار فيه ولا يدركه ولا يطيقه، كما قال تعالى: "ولا يحيطون به علماً"[طه:110]، فلا نحيط علماً بالله لا بذاته ولا بأسمائه، ولا بصفاته، ولا بأفعاله، ولا بأقداره، ولا بحكمه، يقول تعالى: "لا يُسأل عما يَفعل وهم يُسألون"[الأنبياء:23]، وجاء النهي من النبي – صلى الله عليه وسلم- عن الخوض بالقدر كما في قوله: "... وإذا ذكر القدر فأمسكوا" أخرجه الحارث بن أبي أسامة (742-بغية) والطبراني في الكبير (10448)، وحسَّنه العراقي وابن حجر والسيوطي، وصحَّحه الألباني، ولما خرج -صلى الله عليه وسلم- على الصحابة – رضي الله عنهم- يوماً وجد بعضهم يتنازعون في القدر، غضب غضباً شديداً حتى احمرّ وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه حب الرمان فقال: "أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم، إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه" أخرجه الترمذي (2133) من حديث أبي هريرة، وحسَّنه الألباني، وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- بلفظ: "لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم" أخرجه أحمد (206)، وأبو داود (4710)، والحاكم (1/159).
وهذه الأدلة وغيرها محمولة عند أهل العلم على النهي عن الخوض بالقدر بلا علم، وثانياً: على الاعتماد في معرفة أسرار القدر على العقل البشري، وثالثاً: على البحث عن الجانب الخفي في القدر الذي هو سر الله في خلقه، ورابعاً: على الأسئلة الاعتراضية التي دافعها التعنُّت والتحكم على الله تعالى.
وأخيراً: أسأل الله لي ولك العلم النافع، واليقين الصادق، ولعلك تقرأ مزيداً من ذلك في رسالة ابن تيمية: (أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة، والتعليل)، وكتاب ابن القيم (شفاء العليل)، والقضاء والقدر للمحمود، ومثله الدسوقي، وشرح تائية ابن تيمية وغيرها. وفقك الله.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ