إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ختم النبوة بمحمد ونزول عيسى عليهما الصلاة والسلام
المجيب
خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ السبت 07 ربيع الأول 1429 الموافق 15 مارس 2008
السؤال

أحد المنكرين لرجوع عيسى -عليه السلام- في آخر الزمان أرسل إليّ رسالة طويلة فيها شبهات تقلقني، ولا أستطيع الرد عليها. أرجو من فضيلتكم أن تجيبوا عن هذه الشبهات. ومنها: نقطع بأن ليس هناك أنبياء آخرون يأتون بعد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ولكن من الخطأ تحديد الأمر بأنبياء جدد. والبعض يحاولون التوفيق بين النـزول الثاني للمسيح عليه السلام (ترجمة حرفية)، وإيماننا بختم النبوة، حيث يزعمون أن عيسى (عليه السلام) كان نبيًّا قديمًا وليس بنبي جديد، وفي إضافة لتوثيق ذلك يجادلون بأن عيسى عليه السلام سيتبع شرع محمد -صلى الله عليه وسلم- فلن يكون نبيًّا حقيقة في ذلك الحين. ومعنى ذلك أن عودة عيسى عليه السلام لن تمثل تهديدًا لختم النبوة، وليس في عقيدتنا مبدأ نـزع النبوة عن نبي، ولا شك أن القاديانيين خرجوا من ملة الإسلام بالردة بسبب ما عندهم من وجهات نظر مشابهة عن ختم النبوة، بحيث يزعمون أنه قد يكون هناك أنبياء على نفس شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولكن ليس هناك أساس لتحديد ختم النبوة بظهور أنبياء جدد، أو لأنبياء من نوع معين. فإن ختم النبوة تشمل جميع الأنبياء.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
من القواعد المقررة أن نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثبتت كما ثبتت نبوة غيره من الأنبياء السابقين ممن يؤمن بهم النصارى، كموسى عليه السلام وسائر أنبياء بني إسرائيل؛ وإذا ثبتت نبوة نبي، وأنه مرسل من عند الله وجب الإيمان به، وأن كل ما يقوله حق يجب تصديقه.
ومما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده، كما قال تعالى: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" [الأحزب:40]. وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ". أخرجه مسلم (523). وقال أيضًا في الصحيح: "أَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ". أخرجه البخاري (3535)، ومسلم (2286).
ومن عقائد الإسلام أيضًا التي يجب تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيها -لأنه فرع عن نبوته- ما جاء في سورة الزخرف حكاية عن المسيح: "وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ" [الزخرف:61]. أي علامة على قربها. وفسرها الرسول صلى الله عليه وسلم بنزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان- انظــر صحيح ابن حـبان (6817)، ومستدرك الحاكم (2/278).
أما عن شريعة المسيح بعد النزول فسيحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عند الإمام البخاري (2222)، والإمام مسلم (155): "وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ..". وفي الحديث الآخر: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ". أخرجه مسلم (155). أي: فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم. كما فسرها الصحابة.
بل إن الذي يؤم الناس في الصلاة في ذلك الوقت ليس المسيح عليه السلام بل رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما أخبرت بذلك الأحاديث الصحيحة: انظر صحيح البخاري (3449)، ومسلم (155). وليس ذلك الرجل أفضل من المسيح عليه السلام، بل دلالة على أن المسيح بعد نزوله تابع لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وحاكم بها. ومع ذلك فهو نبي ويدعى في ذلك الوقت بنبي الله، وليس في ذلك إشكال، والنصارى يؤمنون بنظير ذلك، فقد جاء في الكتاب المقدس من العهد القديم منه: اجتماع أكثر من نبي في وقت واحد، ومكان واحد، ويعملون بشريعة واحدة، وليس في ذلك ما يطعن في نبوة واحد منهم، وهذا له أمثلة كثيرة أشهر من أن تذكر، وهذا يؤمن به اليهود والنصارى، كما هو موجود عندهم.
وأما مسألة القاديانية فالأمر فيها يختلف من عدة أوجه:
1- أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم أخبر بنزول المسيح عليه السلام محكِّمًا لشريعته، ولم يخبر بغيره كالميرزا أحمد غلام القادياني.
2- يعتقد القاديانيون بأن النبوة لم تختم، بل هي مستمرة، وأن الله يرسل الرسل تباعًا حسب الحاجة، حتى بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الميرزا أحمد غلام القادياني أفضل الأنبياء.
3- أن القاديانية أتوا بمعتقدات بعيدة جدًّا عن الإسلام، فمع أنهم ألغوا فكرة ختم النبوة إلا أنهم قالوا بنزول كتاب آخر غير القرآن على نبيهم الميرزا أحمد غلام القادياني، واسمه الكتاب المبين، وهو المعتمد لا القرآن، ويعتقدون أنهم أصحاب دين جديد مستقل وشريعة مستقلة، وكل مسلم عندهم كافر حتى يدخل في القاديانية، إلى غير ذلك من المعتقدات، سواء في الله سبحانه وتعالى، أو في التشريعات التي تخالف الإسلام.
وعلى هذا فخروج القاديانيبة عن الإسلام لأنهم ليسوا على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وأول شيء خالفوا فيه أصل الشريعة هو نفيهم لختم النبوة. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ