إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان مذهب أهل السنة في الملائكة والجان
المجيب
العلامة/ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله -
التاريخ الاحد 01 صفر 1423 الموافق 14 إبريل 2002
السؤال
ما مذهب أهل السنة والجماعة في الملائكة والجان؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
إليك كلام سماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين في إجابته على سؤال قريب من سؤالك قال –رحمه الله-:
الملائكة: عالم غيبي مخلوقون، عابدون لله –تعالى-، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، خلقهم الله –تعالى- من نور، ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه.
قال الله –تعالى-:" ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون" [الأنبياء:19-20].
وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله –تعالى-، وقد ثبت في الصحيحين (البخاري (3207) ومسلم (2643)) من حديث أنس –رضي الله عنه- في قصة المعراج أن النبي –صلى الله عليه وسلم- رُفع له البيت المعمور في السماء يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودُوا إليه آخر ما عليهم.
والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجودهم.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه (كجبريل)، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالاً.
الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة (جبريل)، فقد أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه رآه على صفته التي خُلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق، أخرجه الترمذي (3278) وأحمد (3748).
وقد يتحول الملك بأمر الله –تعالى- إلى هيئة رجل، كما حصل (لجبريل) حين أرسله –تعالى- إلى مريم فتمثَّل لها بشراً سوياً، وحين جاء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- وهو جالس في أصحابه جاءه بصفة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فجلس إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأل النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها، فأجابه النبي –صلى الله عليه وسلم- فانطلق، ثم قال –صلى الله عليه وسلم-:" هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". رواه مسلم (8).
وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله –تعالى- إلى إبراهيم ولوط كانوا في صورة رجال.
الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله –تعالى-، كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهاراً بدون ملل ولا فتور.
وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة.
مثل: جبريل الأمين على وحي الله –تعالى- يرسله الله به إلى الأنبياء والرسل.
مثل: ميكائيل الموكل بالقطر، أي: المطر والنبات.
ومثل: إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق.
ومثل: ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت.
ومثل: مالك الموكل بالنار وهو خازن النار.
ومثل: الملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام إذا تم للإنسان أربعة أشهر في بطن أمه، بعث الله إليه ملكاً وأمره بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.
ومثل: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها لكل شخص، ملكان: أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال.
ومثل: الملائكة الموكلين بسؤال الميت إذا وضع في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه.
والإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة، منها:
الأولى: العلم بعظمة الله –تعالى-، وقوته، وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.
الثانية: شكر الله -تعالى- على عنايته ببني آدم، حيث وكَّل من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.
الثالثة: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله –تعالى-.
وقد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجساماً، وقالوا: إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات، وهذا تكذيب لكتاب الله –تعالى-، وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم-، وإجماع المسلمين.
قال الله –تعالى-:" الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع" [فاطر:1].
وقال:" ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم" [الأنفال:50]، وقال:" ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم" [الأنعام:93]. وقال:" حتى إذا فُزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" [سبأ:23]. وقال في أهل الجنة:" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" [الرعد:23-24].
وفي (صحيح البخاري (3209) ومسلم (2637)) عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال:" إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء، إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".
وفيه أيضاً عنه قال: قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر" رواه البخاري (929) ومسلم (850).
وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية، كما قال الزائغون، وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون.
أما الجن، فإليك كلام سماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله تعالى- حول ما سألت عنه:
س: هل للجن حقيقة؟ وهل لهم تأثير؟ وما علاج ذلك؟
ج: أما حقيقة حياة الجن فالله أعلم بها، ولكننا نعلم أن الجن أجسام حقيقية، وأنهم خلقوا من النار وأنهم يأكلون ويشربون ويتزاوجون، ولهم ذرية كما قال الله –تعالى- في الشيطان: "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو" [الكهف:50] وأنهم مكلفون بالعبادات، فقد أرسل إليهم النبي –عليه الصلاة والسلام-، وحضروا واستمعوا القرآن كما قال الله –تعالى-: "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا" [الجن:1-2]، وكما قال –تعالى-: "وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يقومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم" [الأحقاف:29-30] إلى آخر الآيات، وثبت عن النبي –عليه الصلاة والسلام- أنه قال للجن الذين وفدوا عليه وسألوه الزاد، قال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً" مسلم (450)، وهم –أعني: الجن- يشاركون الإنسان إذا أكل ولم يذكر اسم الله على أكله، ولهذا كانت التسمية على الأكل واجبة، وكذلك الشرب كما أمر بذلك النبي –صلى الله عليه وسلم-، وعليه فإن الجن حقيقة واقعة وإنكارهم تكذيب للقرآن وكفر بالله –عز وجل-، وهم يؤمرون، وينهون، ويدخل كافرهم النار كما قال الله –تعالى-: "قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها" [الأعراف:38]، ومؤمنهم يدخل الجنة أيضاً لقوله –تعالى-: "ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ذواتا أفنان فبأي آلاء ربكما تكذبان" [الرحمن:46-49] والخطاب للجن والإنس، ولقوله –تعالى-: "يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين" [الأنعام:130] إلى غير ذلك من الآيات والنصوص الدالة على أنهم مكلفون يدخلون الجنة إذا آمنوا ويدخلون النار إذا لم يؤمنوا.
أما تأثيرهم على الإنس فإنه واقع أيضاً، فإنهم يؤثرون على الإنس؛ إما أن يدخلوا في جسد الإنسان فيصرع ويتألم، وإما أن يؤثروا عليه بالترويع والإيحاش، وما أشبه ذلك.
والعلاج من تأثيرهم بالأوراد الشرعية، مثل: قراءة آية الكرسي، فإن من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
[مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين الجزء الأول صـ288-290 والجزء الخامس صـ116-119]

إرسال إلى صديق طباعة حفظ