إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان مَنْ أحق بالحضانة؟
المجيب
أ.د. صلاح بن محمود العادلي
أستاذ في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة الأزهر
التاريخ الثلاثاء 03 ربيع الأول 1429 الموافق 11 مارس 2008
السؤال

هل الطفلة في حالة وفاة والدتها تؤول -شرعاً- للأب؟ أم لأم الأم وخالاتها؟ أو للأصلح لها ماديًّا ودينيًّا وتربويًّا، سواء مع أبيها أو خالاتها أو أهل أبيها؟ علماً أن عمرها أربعة أعوام. أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد عبد الله ورسوله، وبعد:
فقد حرص الإسلام حرصاً بالغاً على الأطفال وحسن تربيتهم، وخص منهم من فقد أبويه أحدهما أو كليهما، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه سهل بن سعد –رضي الله عنه-: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا". وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئاً. أخرجه البخاري (5304).
وبالرغم من أن اليتيم عند الفقهاء هو من مات أبوه، غير أن فقد الأم -وهي مصدر الحنان الأول لطفلها- لـه شأنه في النظر في شأن رعايته والاهتمام به، وفي هذه الحال ينظر في الأمر باعتبار تحقق المصلحة لهذه الطفلة غذاءً وكساءً ودواءً وحسن تربية وتأديب، وكلام الفقهاء يدور حول هذا المعنى.
وإليك -أخي الكريم- ما جاء في هذا عن أهل العلم، فهم فيمن هو أولى بالحضانة على قولين:
الأول: أن الخالة أولى بالحضانة من العمة للحديث الصحيح: "الخالة بمنزلة الأم". أخرجه البخاري (2700).
والقول الثاني: أن العمة أولى من الخالة بالحضانة، وهذا القول هو الأصح دليلاً، حيث إن أصول الشرع وقواعده شاهدة بتقديم أقارب الأب في الميراث، وولاية النكاح، وولاية الموت، وغير ذلك، ولم يعهد في الشرع تقديم قرابة الأم على قرابة الأب في حكم من الأحكام، هذا إذا كانت الجهة في درجة واحدة، أو كانت جهة الأب أقرب من جهة الأم، فإن كانت جهة الأم أقرب من جهة الأب، فإنها تقدم على الأرجح، ومثاله: أم الأم، وأم أب الأب، فتقدم جهة الأم، -وهي هنا أم الأم- على أم أب الأب، وذلك لأن الأقرب أقوى شفقة وحنواً على المحضون من الأبعد.
وهذا القول الثاني هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (34/122)، وابن القيم في زاد المعاد (5/439)، وأجاب عن حديث "الخالة بمنزلة الأم" بأن الخالة لم يكن لها مزاحم من أقارب الأب تساويها في درجتها، كما يدل عليه سياق الحديث [زاد المعاد (5/441)].
وأما الخالة مع العم، فإنها تقدم عليه في الحضانة؛ لأن المرأة أعرف بتربية المحضون، وأقدر عليها، وأصبر وأفرغ لها، ولذلك قدمت الأم فيها على الأب في الحديث الذي رواه أحمد (6707)، وأبو داود (2276): "أنت أحق به ما لم تنكحي"، وسنده حسن.
هذا كله فيما إذا كان كل منهما أهلاً للحضانة، فأما إذا كان أحدهما أهلا لها، والآخر ليس بأهل لها؛ لكونه معروفاًُ بالفساد والمجون أو بالتفريط والإهمال في القيام بمصالح المحضون ونحو ذلك، فإنه يسقط حقه في الحضانة، وينتقل الحق إلى الآخر ولو كان في جهة الأم؛ لأن المقصود من الحضانة هو القيام بمصالح المحضون ودفع المضار عنه، فلا تصلح عند من لا يقوم بهذا الواجب، وهذا القول رجحه جماعة من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (34/132)، بل أشار إلى أن هذا القول محل اتفاق بين العلماء.
هذا بالنسبة للمحضون الصغير إذا كان ابناً ولم يميز، أو كانت بنتاً ولم تبلغ.
فأما الابن المميز -وهو الغلام الذي بلغ سبع سنين- فإنه يخير بين الخالة والعمة والعم، كما يخير بين الأم والأب، ويدل لهذا حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني، وسقاني من بئر أبي عنبة، فجاء زوجها، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "يا غلام، هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت" رواه أحمد (2/246)، وأبو داود (2277)، وغيرهما.
فإن اختار الغلام من لا يصلح للحضانة، لم يمكن من ذلك، ولذا قال ابن القيم –رحمه الله– في زاد المعاد (5/475): "فإذا كانت الأم تتركه في المكتب، وتعلمه القرآن، والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، فإنه أحق به بلا تخيير ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى أخل أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله، والآخر مراع له، فهو أحق وأولى به". ا.هـ. والله -تعالى- أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ