إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الإسلام والتمييز العرقي
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 08 صفر 1423 الموافق 21 إبريل 2002
السؤال

شيخنا الكريم: يستشكل البعض الجمع بين ما هو معروف عن الدين الإسلامي من أن الناس سواسية، وأن الإسلام قد أزال وحارب الفرقات العرقية التي يتمايز بها الناس، ولكنه في ذات الوقت يكرس هذا المفهوم في بعض أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك كقوله: "اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - فهو في هذا الحديث يبين أن مستوى العبد الأسود أقل من مستوى بقية الناس، بدليل قوله وإن تأمر، والذي يدل على استبعاد احتمالية إمارة ذلك العبد الأسود، وأنه ولو تأمر فإن الناس تأنف من إمارته، لذلك حثهم النبي – صلى الله عليه وسلم- على الطاعة، وكذلك وصفه بـ (كأن رأسه زبيبة) يرى فيه بعض الناس أن فيه تعييراً لأصحاب البشرة السوداء، آمل التلطف بإزالة الإشكال. مع دعائي لكم بدوام التوفيق والسداد.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
أقول وبالله التوفيق:
لقد جاء تقرير المساواة بين الشعوب والأعراق في قواطع نصوص الكتاب والسنة على أجلى وجه، كما في قوله –تعالى-: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" [الحجرات: 13] وكما في قوله – صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع وفي خطبة أيام التشريق: "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى". أخرجه الإمام أحمد(22978) بإسناد صحيح.
ثم هذه نصوص الكتاب والسنة كلها، لا يوجد فيها تفريق بين الناس في الفروض من الأوامر والنواهي، ولا تمييز بين الشعوب بتحريم حلال أو تحليل حرام على شعب دون شعب، ولم يأت في شيء من نصوص الوحيين أيضاً ما يحكم بالنجاة من عذاب الله –تعالى- لمجرد الانتماء العرقي أو النسبي أو اللوني. بل النصوص واضحة كل الوضوح أن النجاة من عذاب الله والفوز بالجنة لا يكون بغير الإسلام والإيمان، وأن الكافر مخلد في النار ولو كان أعرب العرب، وأقرب الناس إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم-،وما خبر أبي لهب عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم- عن كل مسلم ببعيد، فقد نزلت فيه سورة تذكر مصيره في العذاب المخلد في نار جهنم.
أما حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبه"، أخرجه البخاري (7142) من حديث أنس –رضي الله عنه-. فإنه لم يخرج عن المعنى المذكور آنفاً، بل جاء في سياقه نفسه. حيث إنه أمر بترك النعرة الجاهلية التي كان العرب معها يأنفون من أن يتولى الإمرة عليهم عبد من إفريقيا أسود اللون. فأمرهم النبي – صلى الله عليه وسلم- بطاعته وعدم الخروج عن أمره، وأن يميتوا تلك المعاني الجاهلية في نفوسهم.
فهذا الحديث جاء ليستبدل بالمعنى الجاهلي معنى إسلامياً، فقد جاء ليقضي على التمييز العنصري بناءً على اللون أو العرق الذي كان متأصلاً في قلوب العرب قبل الإسلام. وهو بذلك أبعد ما يكون عما فهمه السائل منه، بظنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم- يستخف بالعبد الحبشي، ولذلك ضرب به المثل. هذا الفهم بعيد عن مراده – صلى الله عليه وسلم- كل البعد فهو – صلى الله عليه وسلم- إنما ضرب المثل بمن كان العرب في الجاهلية يتخذونهم رقيقاً مملوكين، لينفي بذلك كل معنى للعنصرية المقيتة بناءً على اللون أو العرق. هذا هو جواب الإشكال الذي وقع في نفس السائل.
ومما ينبغي أن يذكر في هذا السياق، مما لا بد من بيانه، ليصح التصور الإسلامي في هذه المسألة على وجه أتم أن ما سبق كله لا ينفي أن للعرب المسلمين فضلاً ثابتاً في النصوص، من جهة خصائص في طباعهم جبلهم الله –تعالى- عليها، ومن جهة أن النبي – صلى الله عليه وسلم- منهم، وأن القرآن نزل بلغتهم، وأنهم أول من حمل راية الإسلام، وأن قبلة المسلمين والحرمين الشريفين في بلادهم، وغير ذلك من الفضائل التي اتفق أهل السنة والجماعة على الإيمان بها والاعتراف بها للعرب المسلمين. ولم يخالف في ذلك إلا الشعوبية، وهم الذين أنكروا فضل العرب، إما لجهلهم بالنصوص الواردة في ذلك، أو حسداً على هذا الفضل الذي خص الله به العرب،دون ظلم لمن سواهم، كما فضل بعض الناس على بعض في الرزق وقوة الأبدان وجمال الصور وطول العمر والذكاء والعقل، وغير ذلك من أقدار الله –تعالى- وعطاياه سبحانه: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" [الجمعة: 40].
وأعود وأذكر أن هذا لا يعارض ما سبق بأن المنزلة عند الله –تعالى- إنما تنال بالتقوى والعمل الصالح، فلا ينفع العربي نسبه إذا كان كافراً، ولمؤمن غير عربي أحب وأقرب عند الله –تعالى- من عربي فاجر أو كافر أما الفضل الذي خص به العرب السابق ذكره، فهو كسعة الرزق وقوة البدن ونحوها من النعم، التي تكون عوناً على التقوى لمن وفقه الله –تعالى- إلى ذلك،وقد تكون وبالاً على صاحبها إذا كان كافراً أو فاجراً. فذلك الفضل لا ينفع بمجرده، إنما ينفع مع الإسلام والإيمان والعمل الصالح، كما ينتفع المؤمن الغني بماله في الصدقة، وكما ينتفع المؤمن القوي البدن بقوته في الجهاد في سبيل الله –تعالى-.
والإيمان بهذا الفضل للعرب الذين جاءت به النصوص من الإيمان بالقضاء والقدر، الذي يستلزم من عبد الله الرضا بالقضاء والتسليم لحكم الله –تعالى-، كما رضي بتفاوت الناس في الأرزاق والأبدان والعقول والأعمار، وخضع في ذلك لخالقه الحكيم العليم -سبحانه وتعالى-. ملأ الله –تعالى- قلوبنا إيماناً به وحباً له ورضا بقضائه. والله أعلم. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ